تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وَأَسْلِمُوا لَهُ
أي : اخضعوا له ، وانقادوا لأمره . قال القشيري : أي : أخلصوا في طاعتكم ، والإسلام - الذي هو الإخلاص بعد الإنابة - : هو أن يعلم نجاته بفضله ، لا بإنابته ؛ فبفضله يصل إلى إثابته ، لا بإنابته يصل إلى فضله . ه .
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ
في الدنيا ، أو في الآخرة ، إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب . قال القشيري : العذاب هنا ، قيل : الفراق ، وقيل : هو أن يفوته وقت الرّجوع بسوء الإياس . ه .
ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ
: لا تمنعون منه أبدا . الإشارة : لا يعظم عندك الذنب عظمة تصدك عن حسن الظن باللّه ، فإن من استحضر عظمة ربه صغر في عينه كلّ شئ . وتذكر قضية الرّجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ، ثم سأل راهبا : هل له توبة ؟ فقال : لا ، فكمل به المائة ، ثم سأل عارفا ، فقال له : ومن يحول بينك وبينها ؟ لكن اخرج من القرية التي كنت تعصى فيها ، واذهب إلى قوم يعبدون اللّه في مكان ، فذهب ، فأدركه الموت في الطريق ، فلما أحس بالموت انحاز بصدره إلى القرية التي قصدها ، ثم مات ، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرّحمة ، فقال لهم الحق تعالى « 1 » : قيسوا من القرية التي خرج منها ، إلى القرية التي قصدها ، فإلى أيهما هو أقرب هو منها ؟ فوجدوه أقرب إلى القرية التي قصدها بشبر ، فأخذته ملائكة الرّحمة « 2 » . إلى غير ذلك من الحكايات التي لا تحصى في هذا المعنى . وتأمل قضية الشاب الذي أتى النّبى صلّى اللّه عليه وسلم يبكى ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : ذنوبي . فقال له عليه السّلام : إن اللّه يغفر ذنوبك ، ولو كانت مثل السماوات السبع ، والأرضين السبع ، والجبال الرّواسى ، فقال : يا رسول اللّه ، ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع والأرضين السبع ، فقال له : ذنوبك أعظم أو العرش ؟ قال : ذنوبي ، فقال له : ذنوبك أعظم أو الكرسي ؟ قال : ذنوبي ، فقال : ذنوبك أعظم أو إلهك ؟ فقال : اللّه أعظم ، فقال : فأخبرني عن ذنبك . قال : إني أستحيى ، فقال : فأخبرني ، فقال : إني كنت نباشا أنبش القبور منذ سبع سنين ، حتى ماتت جارية من بنات الأنصار ، فنبشتها ، وأخرجتها من كفنها ، فمضيت ، ثم غلبني الشيطان ، فرجعت ، فجامعتها ، فقامت الجارية ، وقالت : الويل لك يا شاب من ديّان يوم الدين ، يوم يضع كرسيه للقضاء ، يأخذ من الظالم للمظلوم ، تركتني عريانة في عساكر الموتى ، وأوقفتنى جنبا ين يدي اللّه ، فقام النّبى صلّى اللّه عليه وسلم وهو يضرب في قفاه ، وهو يقول : يا فاسق ، اخرج ، ما أقربك من النّار ، فخرج الشاب تائبا إلى اللّه تعالى ، حتى أتى عليه ما شاء اللّه ، ثم قال : يا إله محمد وآدم وحواء ، إن كنت
هامش
( 1 ) بوحي ، كما تفيده رواية البخاري . وفي رواية مسلم : « فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم ، فقال : قيسوا . . » الحديث . ( 2 ) أخرج القصة البخاري في ( أحاديث الأنبياء ، باب حديث الغار ، ح 3470 ) ومسلم في ( التوبة ، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله ، 4 / 2118 ، ح 2766 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه .