تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
يقول الحق جل جلاله :
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ
أي : جنسه
ضُرٌّ
: فقر أو غيره
دَعانا
معرضا عما سوانا . والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، من ذكر حالتي أهل الشرك القبيحتين ، وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم ، أي : إنهم يشمئزّون عن ذكر اللّه وحده ، ويستبشرون بذكر الآلهة ، فإذا مسهم الضر دعوا من اشمأزوا عن ذكره ، دون من استبشروا بذكره ، فناقضوا فعلهم . فإن قلت : حق الاعتراض أن يؤكّد المعترض بينه وبينه ؟ قلت : ما في الاعتراض من دعاء الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ربه ، بأمر من اللّه ، وقوله :
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ
، ثم ما عقّبه من الوعد العظيم ، تأكيد لإنكار اشمئزازهم ، واستبشارهم ، ورجوعهم إلى اللّه في الشدائد ، دون آلهتهم ، كأنه قيل : قل : يا ربّ لا يحكم بيني وبين هؤلاء ، الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة ، إلا أنت ، ثم هدهم بقوله : ولو أن لهؤلاء الظلمة ما في الأرض جميعا لافتدوا به . انظر النّسفى .
ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا
: أعطيناه إياها ، تفضلا ؛ فإن التخويل مختص به ، لا يطلق على ما أعطى جزاء ، فإذا أعطيناه ذلك
قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ
أي : ذلك التخويل أو الإنعام
عَلى عِلْمٍ
منى بوجوه كسبه ، كما قال قارون :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
« 1 » أو : على علم منى بأنى سأعطاه ، لما فىّ من فضل واستحقاق ، أو : على علم من اللّه تعالى باستحقاقى لذلك المال ، فتذكير الضمير إما لعوده على التخويل المأخوذ من
خَوَّلْناهُ
، أو : بتأويل النّعمة بمعنى الإنعام ، أو : المراد بشئ من النّعمة ، أو : يعود على « ما » إذا قلنا : موصولة ، لا كافة ، أي : إن الذي أوتيته على علم منى . قال تعالى :
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ
أي : ليس ما خوّلناه نعمة ؛ بل هي محنة وابتلاء له ؛ ليظهر كفره أو شكره . ولما كان الخبر مؤنثا ساغ تأنيث المبتدأ لأجله ، وقرىء : « بل هو فتنة » .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أنّ الأمر كذلك ، وأنّ التخويل إنما كان فتنة ، وفيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس .
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : قد قال هذه المقالة ، وهي :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
من قبلهم ، كقارون وقومه ، قال قارون :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
« 2 » وقومه راضون بمقالته ، فكأنهم قالوها معه . ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها .
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
من متاع الدنيا ، وما جمعوا منها شيئا حين ينزل بهم العذاب ،
فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
أي : جزاء سيئات ما كسبوا ، وهو العذاب في الدنيا والآخرة ، أو : سمّى جزاء السيئة سيئة ؛ للازدواج ، كقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
« 3 » أي : فأصابهم وبال
هامش
( 1 ) من الآية 78 من سورة القصص . ( 2 ) من الآية 78 من سورة القصص . ( 3 ) من الآية 40 من سورة الشورى .