تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ
في اليوم الرّابع من عقرها ،
صَيْحَةً واحِدَةً
صاح بهم جبريل عليه السّلام
فَكانُوا
؛ فصاروا
كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
كالشجر اليابس الذي يجده من يعمل الحظيرة ، فالهشيم : الشجر اليابس المتكسر ، الذي يبس من طول الزمان ، وتتوطّؤه البهائم ؛ فيتحطّم ويتهشّم ، والمحتظر : الذي يعمل الحظيرة . قال ابن عباس : « هو الرّجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك ، فما يسقط من ذلك ودرسته الغنم فهو هشيم » « 1 » شبههم في تبددهم ، وتفرق أو صالهم ، بالشوك الساقط على الأرض ،
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
فيتعظ بما يسمع من هذه القصص . الإشارة : سبب إنكار النّاس على أهل الخصوصية ؛ ظهور وصف البشرية عليهم ، ولا يلزم من وجود الخصوصية عدم وصف البشرية ، ووصف البشرية على قسمين : قسم لازم ، لا تنفك العبودية عنه ، كالأ كل والشرب والنّوم والنّكاح ، وغيرها من الأوصاف الضرورية ، وهذه هي التي تجامع الخصوصية وبها سترت ، واحتجبت حتى أنكرت ، فوجودها في العبد كمال ؛ لأنها صوان لسر الخصوصية . قال في الحكم : « سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية ، وظهر بعظمة الرّبوبية في إظهار العبودية » . وقسم عارض يمكن زواله ؛ وهي الأوصاف المذمومة ، كالكبر والحسد والحقد ، وحب الدنيا والرّياسة ، وغير ذلك ، فهذا لا تجامعه الخصوصية ، ولا بد من التطهير منه في وجودها . وللقشيرى إشارة أخرى ، وحاصلها : كذبت ثمود ؛ النفس الأمّارة وجنودها ؛ صالح القلب ؛ حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها ، والتطهر من أوصافها المذمومة ، فقالت النّفس وجنودها : أنتبع واحدا منا ، لأنه مخلوق مثلنا ، ونحن عصبة ؟ إنا إذا لفى ضلال وسعر ، أألقي الذكر الإلهامى عليه من بيننا ؟ بل هو كذّاب أشر ، سيعلمون غدا ، حين يقع لهم الرّحيل من عالمهم ، من الكذاب الأشر ، أثمود النّفس وجنودها ، أم صالح القلب ؟ إنّا مرسل ناقة النّفس فتنة لهم ، ابتلاء ؛ ليظهر الخصوص من العموم ، فارتقبهم ، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النّزاهة والطهارة ، واصطبر في مجاهدتهم ، ونبئهم أنّ ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم ، من شرب منها صفا ، ومن تنكب عنها أظلم ، كل شرب يحضره من يتأهل له . فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النّفس ، التي أرادت العروج إلى وطن الرّوح ، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس ، فكيف كان عذابي لها ، وإنذارى إياها ؟ إنّا أرسلنا عليهم صيحة القهر ، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل ، فكانوا كهشيم المحتظر ؛ صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين . ه بالمعنى مع تخالف له .
هامش
( 1 ) انظر تفسير البغوي 7 / 431 .