تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً
أول النّهار
عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ
لا يفارقهم حتى يسلمهم إلى النّار ، وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أنّ عذاب الطمس ينتهى إليه ،
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ
، حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته - تعالى - تشديدا للعتاب .
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
، قال النّسفى : وفائدة تكرير هذه الآية ؛ أن يجدّدوا عند سماع كلّ نبأ من أنباء الأولين ادّكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك ، وأن يستأنفوا تنبّها واستيقاظا إذا سمعوا الحثّ على ذلك ، وهكذا حكم التكرير في قوله ،
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ *
« 1 » عند كلّ نعمة عدّها ، وقوله :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *
« 2 » عند كلّ آية أوردها ، وكذا تكرير القصص في أنفسها ؛ لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب ، مصوّرة في الأذهان ، [ مذكّرة ] « 3 » غير منسيّة في كلّ أوان . ه . الإشارة : قال القشيري : يشير إلى أنّ كلّ من غلبته الشهوة البهيمية - شهوة الجماع - يجب عليه أن يقهر تلك الصفة ، ويكسرها بأحجار ذكر « لا إله إلا اللّه » ، ويعالج تلك الصفة بضدها ، وهو العفة . ه . فالإشارة بقوم لوط إلى الشهوات الجسمانية ، فقد كذّبت الرّوح حين دعتها إلى مقام الصفا ، ودعتها النّفس بالميل إليها إلى الحضيض الأسفل ، فإذا أراد اللّه نصر عبده أرسل عليها حاصب الواردات والمجاهدات ، فمحت أوصافها الذميمة ، ونقلتها إلى مقام الرّوحانية ، قال تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ
يعنى الأوصاف المحمودة ، نجيناهم في آخر ليل القطيعة ، أو : الروح وأوصافها الحميدة ، نجيناها في وقت النّفحات من التدنس بأوصاف النّفس الأمّارة ، نعمة من عندنا ، لا بمجاهدة ولا سبب ، كذلك نجزى من شكر نعمة العناية ، وشكر من جاءت على يديه الهداية ، وهم الوسائط من شيوخ التربية . ولقد أنذر الرّوح النّفس وهواها وجنودها بطشتنا : قهرنا ، بوارد قهري ، من خوف مزعج ، أو شوق مقلق ، حتى يخرجها من وطنها ، فتماروا بالنذر ، وقالوا : لم يبق من يخرجنا من وطننا ، فقد انقطعت التربية ، ولا يمكن إخراجنا بغيرها ، ولقد راودوه عن ضيفه ، راودوا الرّوح عن نور معرفته ويقينه ، بالميل إلى شهوات النّفس ؛ فطمسنا أعينهم ، فلم يتمكنوا من رد الرّوح إذا سبقت لها العناية ، فيقال للنفس وجنودها : ذوقوا عذابي ونذرى بالبقاء مع الخواطر والهموم ، ولقد صبّحهم أول نهار المعرفة حين أشرقت شموس العيان عذاب مستقر ، وهو محق أوصاف النّفس ، والغيبة عنها أبدا سرمدا . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) كررت هذه الآية في سورة الرّحمن إحدى وثلاثين مرة ، المرة الأولى جاءت في الآية 13 . ( 2 ) الآية 15 من سورة المرسلات . ( 3 ) في النّسفى [ مذكورة ] .