تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
يقول الحق جل جلاله :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ
بصالح عليه السّلام ؛ لأنّ من كذّب واحدا فقد كذّب الجميع ؛ لاتفاقهم في الشرائع ، أو : كذّبوا بالإنذارات والمواعظ التي يسمعونها من صالح ،
فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا
أي : كائنا من جنسنا ، وانتصابه بفعل يفسره « نتبعه » أي : أنتبع بشرا منا
واحِداً
منفردا لا تباعة له ؟ أو : واحدا من النّاس لا شرف له
نَتَّبِعُهُ
وندع ديننا ؟
إِنَّا إِذاً
أي : على تقدير اتباعنا له ، وهو مفرد ونحن أمة جمة
لَفِي ضَلالٍ
عن الصواب
وَسُعُرٍ
نيران تحرق ، جمع « سعير » . كان صالح يقول لهم : إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق ، وصرتم إلى سعير ، ونيران تحرق ، فعكسوا عليه ، لغاية عتوهم ، وقالوا : إن اتبعناك كنا كما تقول . وقيل : المراد بالسعر : الجنون ، لأنها تشوه صاحبها ، أنكروا أن يكون الرّسول بشرا ، وطلبوا أن يكون من الملائكة ، وأنكروا أن تتبع أمة واحدا ، أو : رجلا لا شرف له في زعمهم ، حيث لم يتعاط معهم أسباب الدنيا . ويؤيد التأويل الثاني قولهم :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ
أي : الوحي
عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا
وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة ؟
بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
أي . بطر متكبر ، حمله بطره وطلبه التعظيم علينا على ادعائه ذلك . قال تعالى :
سَيَعْلَمُونَ غَداً
أي : عن قريب ، وهو عند نزول العذاب بهم ، أو يوم القيامة ،
مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
أصالح أم من كذّبه ؟ وقرأ الشامي وحمزة بتاء الخطاب ، على حكاية ما قاله صالح مجيبا لهم .
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ
؛ باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا ،
فِتْنَةً لَهُمْ
؛ ابتلاء وامتحانا لهم ، مفعول له ، أو : حال ،
فَارْتَقِبْهُمْ
؛ فانتظرهم وتبصّر ما هم صانعون
وَاصْطَبِرْ
على أذاهم ، ولا تعجل حتى يأتيك أمرى .
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ
؛ مقسوم بينهم ، لها شرب يوم ، ولهم شرب يوم ، وقال : « بينهم » تغليبا للعقلاء .
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
؛ محضور ، يحضر القوم الشرب يوما ، وتحضر النّاقة يوما ،
فَنادَوْا صاحِبَهُمْ
قدار بن سالف ، حمير ثمود ،
فَتَعاطى
؛ فاجترأ على تعاطى الأمر العظيم ، غير مكترث به ،
فَعَقَرَ
الناقة ، ، أو : فتعاطى النّاقة فعقرها ، أو : تعاطى السيف فقتلها ، والتعاطي : تناول الشيء بتكلف . وقال أبو حيان : هو مضارع عاطا ، وكأنّ هذه الفعلة تدافعها النّاس بعضهم بعضا ، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده . ه .