تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
الإشارة : في الآية تسلية لمن أوذى من الأولياء ، وإجابة الدعاء على الظالم ، لهم إن [ أذن ] « 1 » لهم في ذلك بإلهام أو هاتف ، وإلّا فالصبر أولى ، وجعل القشيري نوحا إشارة إلى القلب ، وقومه جنود النّفس ، من الهوى والدنيا وسائر العلائق ، فيكون التقدير : كذبت النّفس وجنودها القلب ، فيما يرد عليه من تجليات الحق ، وكشوفات الغيب ، وقالوا : إنما هو مجنون فيما يخبر به ، فزجرته ، ومنعته من تلك الواردات الإلهية بظلمات شهواتها ، فدعا ربه وقال : أنى مغلوب في يد النّفس وجنودها ، فانتصر لي حتى تغيبنى عنهم ، ففتحنا أبواب سماء الغيب بأمطار الواردات الإلهية القهّارية ، لتمحق تلك الظلمات النّفسانية ، وفجرنا أرض البشرية بعلوم آداب العبودية ، فالتقى ماء الواردات ، التي هي من حضرة الرّبوبية ، مع ماء علوم العبودية ، على أمر قد قدر أنه ينصر القلب ، ويرقيه إلى حضرة القدس ، وحملناه على سفينة الجذب والعناية ، تجرى بحفظنا ، جزاء لنعمة القلب التي كفرت به النّفس وجنودها ، ولقد تركنا هذه الفعلة آية يعتبر بها السائرون إلينا ، والطالبون لنا ، فهل من مدكر ؟ فكيف كان عذابي لمن استولت عليه النّفس وجنودها ؟ وكيف كان إنذارى من غم الحجاب ، وسوء الحساب ، ولقد يسّرنا القرآن للذكر ؛ للاتعاظ ، فهل من مدكر ، فينهض من غفلته إلى مولاه ؟ . ثم ذكر قصة عاد ، فقال :

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 18 إلى 22 ]

كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 21 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) يقول الحق جل جلاله :
كَذَّبَتْ عادٌ
هودا عليه السّلام ،
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
؟ ! أي : وإنذارى لهم بالعذاب قبل نزوله ، والاستفهام لتوجيه قلوب السامعين للإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره ؛ لتهويله وتعظيمه ، وتعجيبهم من حاله قبل بيانه ، كما قبله وما بعده ، كأنه قيل : كذبت عاد فهل سمعتم ما حلّ بهم ؟ أو : فاسمعوا ، فكيف كان عذابي وإنذارى لهم . ثم بيّن ما أجمل فقال :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
؛ باردة أو : شديدة الصوت ؛
فِي يَوْمِ نَحْسٍ
؛ شؤم
مُسْتَمِرٍّ
شؤمه عليهم إلى أن أهلكهم ، وكان في أربعاء آخر شوال ،
تَنْزِعُ النَّاسَ
أي : تقلعهم ، وجاء بالظاهر
هامش
( 1 ) في الأصول [ أوذن ] .