تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
مكان المضمر ؛ ليشمل ذكورهم وإناثهم ، صغيرهم وكبيرهم . روى : أنهم كانوا يتداخلون الشّعاب ، ويحفرون الحفر ، ويندسون فيها ، ويمسك بعضهم ببعض ؛ فتزعجهم الرّيح ، وتصرعهم موتى . قال ابن إسحاق : ولمّا هاجت عليهم الرّيح ، قام سبعة نفر من عاد ؛ [ فأولجوا ] « 1 » العيال في شعب بين جبلين ، ثم اصطفوا على باب الشعب ، ليردوا الرّيح عنهم ، فجعلت الرّيح تجعفهم « 2 » رجلا رجلا . ه . ثم صاروا بعد موتهم
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
أي : أصول نخل منقلع من مغارسه ، وشبهوا بأعجاز النّخلة ، وهي أصولها التي قطعت رؤوسها ؛ لأنّ الرّيح كانت تقطع رؤوسهم ، فتبقى أجسادا بلا رؤوس ، فيتساقطون على الأرض أمواتا ، وهم جثث طوال . وتذكير صفة النّخل بالنظر إلى اللفظ ، كما أن تأنيثه في قوله تعالى :
أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
« 3 » بالنظر للمعنى .
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
؟ ! تهويل وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما ، فليس فيه شائبة تكرار ، وما قيل : من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا ، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة ، يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي .
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
؟ ! وفي تكريره بعد كلّ قصة ؛ تنبيه على أن إيراد قصص الأمم إنما هو للوعظ والتذكار ، وللانزجار عن مثل فعلهم ، لا لمجرد السماع والتلذذ بأخبارهم ، كما هي عادة القصاص . الإشارة : من شأن النّفوس العاتية المتجبرة العادية ؛ تكذيب أهل الخصوصية كيفما كانوا ، ولا ترضى بحط رأسها لمن يدعوها إلى ربها ، فيرسل اللّه عليهم ريح الهوى والخذلان ، فتصرعهم في محل الذل والهوان ، وتتركهم عبيدا لنفوسهم الخسيسة ، وللدنيا الدنية ، فكيف كان عذابي لهؤلاء وإنذارى لهم ؟ ! . ولقد يسرنا القرآن للذكر ، وبيّنا فيه ما فعلنا بأهل التكبر والعناد من الإهانة والطرد والإبعاد ، فهل من مدكر ، يتيقظ من سنة غفلته ، ويرحل من دنياه لآخرته ، ومن نفسه إلى ربه ؟ . ثم ذكر قصة ثمود ، فقال :

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 23 إلى 32 ]

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ( 26 ) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ( 31 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 )
هامش
( 1 ) في الأصول : [ فألجوا ] . ( 2 ) تجعفهم : تصرعهم . ( 3 ) من الآية 7 من سورة الحاقة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 528 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان