تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
ثم قال القشيري : اعلم أن النّفس حقيقة واحدة ، غير متعددة ، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها ، فإذا توجهت إلى الحق توجها كليّا ؛ سميت مطمئنة ، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجها كليا ؛ سميت أمّارة ، وإذا توجهت إلى الحق تارة ، وإلى الطبيعة أخرى ؛ سميت لوّامة . ه مختصرا . ثم ذكر قصة لوط ، فقال :

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 33 إلى 40 ]

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ( 33 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ( 34 ) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ( 35 ) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 ) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 37 ) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ( 38 ) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 39 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 40 ) يقول الحق جل جلاله :
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ
، وقد تقدم ،
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ
أي : على قوم لوط
حاصِباً
أي : ريحا تحصبهم ، أي : ترميهم بالحصباء ،
إِلَّا آلَ لُوطٍ
ابنتيه ومن آمن معه ،
نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ
؛ ملتبسين بسحر من الأسحار ، ولذا صرفه ، وهو آخر الليل ، أو : السدس الأخير منه ، وقيل : هما سحران ، فالسحر الأعلى : قبل انصداع الفجر ، والآخر : عند انصداعه ،
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا
أي : إنعاما منا ، وهو علة لنجّينا ،
كَذلِكَ
أي : مثل ذلك الجزاء العجيب
نَجْزِي مَنْ شَكَرَ
نعمتنا بالإيمان والطاعة .
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ
لوط
بَطْشَتَنا
؛ أخذتنا الشديدة بالعذاب ،
فَتَمارَوْا
؛ فكذّبوا
بِالنُّذُرِ
؛ بإنذاره متشاكّين فيه ،
وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ
قصدوا الفجور بأضيافه ،
فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ
فمسخناها وسويناها كسائر الوجه ، أي : صارت وجوههم صفيحة واحدة لا ثقب فيها . روى أنهم لمّا قصدوا دار لوط ، وعالجوا بابها ليدخلوا ، قالت الرّسل للوط : خلّ بينهم وبين الدخول ، فإنّا رسل ربك ، لن يصلوا إليك . وفي رواية : لمّا منعوا من الباب تسوروا الحائط ، فدخلوا ، فصفعهم جبريل بجناحه ؛ فتركهم عميا يترددون ، ولا يهتدون إلى الباب ، فأخرجهم لوط عميا . وقلنا لهم على ألسنة الرّسل ، أو بلسان الحال :
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ
أي : وبال إنذارى ، والمراد به : الطمس ؛ فإنه من جملة ما أنذروا به .