تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
من نفسه ، ولقد علمنا المستأخرين عنها بسبب ضعف همته ، وإن ربك هو يحشرهم ؛ فيقرب قوما لسبقهم ، ويبعد آخرين لتأخرهم . إنه حكيم عليم . ثم ذكر أول نشأة الثقلين ، ليدل بها على الحشر والإعادة ، فقال :

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 26 إلى 27 ]

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) قلت : قال في الصحاح : الحمأ المسنون : المنتن المتغير . وسنّة الوجه : صورته ، ثم قال : والمسنون : المصوّر ، وقد سننته أسنّه سنّا إذا صوّرته ، والمسنون : المملّس . وفي القاموس : الحمأ المسنون : المنتن ، ورجل مسنون الوجه : مملسه ، حسنه ، سهله . أو في وجهه وأنفه طول . وسنن الطين : عمله فخارا . ه . وفي ابن عطية : هو من سننت السكين والحجر : إذا أحكمت تلميسه . انظر بقية كلامه . وموضع
مِنْ حَمَإٍ
: نعت لصلصال ، أي : كائن من حمأ . و ( الجان ) : منصوب بمحذوف يفسره ما بعده . يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
؛ أي : أصله ، وهو آدم ،
مِنْ صَلْصالٍ
أي : طين يابس يصلصل . أي : يصوت إذا نقر فيه وهو غير مطبوخ ، فإذا طبخ فهو فخار ،
مِنْ حَمَإٍ
: من طين أسود
مَسْنُونٍ
: متغير منتن ، من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به ؛ فإنّ ما يسيل بينهما يكون منتنا ، ويسمى سنينا . أو مسنون : مصور ، أو مصبوب ليتصور ، كالجواهر المذابة تصب في القوالب ، من السن ، وهو الصب ، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف ، فيبس حتى إذا نقر صلصل ، ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه .
وَالْجَانَّ
وهو : إبليس الأول ، ومنه تناسلت الجن ،
خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ
أي : من قبل خلق الإنسان ،
مِنْ نارِ السَّمُومِ
: من نار الحر الشديد النافذ في المسام ، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة ، كما لم يمتنع خلقها في الجواهر المجردة ، فضلا عن الأجساد المؤلفة ، التي الغالب فيها الجزء الناري ، فإنها أقبل منها لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي . وقوله :
مِنْ نارِ
: لاعتبار الغالب ، كقوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ *
« 1 » . ومساق الآية كما هو للدلالة على قدرة اللّه تعالى ، وبيان بدء خلق الثقلين ، فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر ، وهو قبول المواد للجمع والإحياء . قاله البيضاوي .
هامش
( 1 ) من الآية 11 من سورة فاطر .