تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكر يا محمد
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ
، قبل خلق آدم :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
، وصفه لهم بذلك ليظهر صدق من يمتثل أمره ، قال تعالى :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ
: عدلت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها ،
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
؛ حين جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيى ، وأصل النفخ : إجراء الروح في تجويف جسد آخر . ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب ، وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسرى في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن ، جعل تعلقه بالبدن نفخا . قاله البيضاوي . وأضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك إلى مالك ، أي : من الروح الذي هو لي ، وخلق من خلقي . فإذا نفخت فيه
فَقَعُوا
: فأسقطوا
لَهُ ساجِدِينَ .
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ
حين أكمل خلقته ، وأمرهم بالسجود ، وقيل : اكتفى بالأمر الأول ،
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
، أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص ،
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى
: امتنع
أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
، قال البيضاوي : إن جعل الاستثناء منقطعا اتصل به قوله :
أَبى
؛ أي : لكن إبليس أبى أن يسجد « 1 » ، وإن جعل متصلا كان قوله
أَبى
: استئنافا ، على أنه جواب سائل قال : هلا سجد ؟ فقال : أبى . . إلخ . قلت : والأحسن : أن يقدر السؤال بعد قوله :
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى
أي : وما شأنه ؟ فقال : أبى أن يكون مع الساجدين . قال تعالى :
يا إِبْلِيسُ ما لَكَ
؛ أىّ شئ عرض لك ،
أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
لآدم ؟
قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ
أي : لا يصح منى ، بل ينافي حالي أن أسجد
لِبَشَرٍ
جسماني كثيف ، وأنا روحاني لطيف ، وقد
خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
، وهو أخس العناصر ، وخلقتني من نار وهي أشرفها . استنقص آدم من جهة الأصل ، وغفل عن الكمالات التي خصه اللّه بها ، منها : أنه خلقه بيديه بلا واسطة ، أي : بيد القدرة والحكمة ، بخلاف غيره ، ومنها : أنه خصه بالعلوم التي لم توجد عند غيره من الملائكة ، ومنها : أنه نفخ فيه من روحه المضافة إلى نفسه ، ومنها : أنه جعله خليفة في أرضه . . . إلى غير ذلك من الخواص التي تشرف بها فاستحق السجود .
هامش
( 1 ) وهذا هو الصحيح ؛ فإبليس ، بنص الآية السابقة عن خلق الجان ، قد خلق من نار السموم ، فهذا نص في اختلاف خلقته ، وخلقه ، عن الملائكة ، فهو جنس آخر غير الملائكة التي خلقها الله من نور ، ولا يعصون الله ما أمرهم ، فهذان دليلان قطعيان في الثبوت والدلالة ، على أن إبليس ليس ، ولم يكن من الملائكة ، لا خلقا ولا خلقا ، فالاستثناء منقطع .