تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
حكمته . فالوزن مجاز ، أو ما يوزن حقيقة كالعشب النافعة ، أو كالذهب والفضة وسائر الأطعمة .
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ
تعيشون بها من المطاعم والملابس ،
وَ
خلقنا لكم
مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ
من الولدان والخدمة والمماليك ، وسائر ما تظنون أنكم ترزقونهم ظنا كاذبا ؛ فإن اللّه يرزقكم وإياهم . قال البيضاوي : وفذلكة الآية : الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار معين ، مختلفة الأجزاء في الوضع ، محدثة فيها أنواع النباتات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة ، مع جواز ألا تكون كذلك ؛ على كمال قدرته ، وتناهى حكمته ، والتفرد في ألوهيته ، والامتنان على العباد بما أنعم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه . ثم بالغ في ذلك فقال :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
أي : وما من شئ إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه ، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره ، أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد . ه . قال ابن جزى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
؛ قيل : المطر ، واللفظ أعم من ذلك ، والخزائن : المواضع الخازنة ، وظاهر هذا أن الأشياء موجودة قد خلقت . ه .
وَما نُنَزِّلُهُ
أي : نبرزه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ،
إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
: بمقدار محدود في وقت معلوم اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة ، لا يزيد ولا ينقص على ما سبق به العلم .
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
: حوامل للماء في أوعية السحاب ، يقال : لقحت الناقة والشجرة إذا حملت ، فهي لاقحة ، وألقحت الريح الشجر فهي ملقحة . ولواقح : جمع لاقحة ، أي : حاملة ، أو جمع ملقحة على حذف الميم الزائدة ، فهي على هذا ملقحة للسحاب أو الشجر ، ونظيره : الطوائح ، بمعنى المطيحات في قوله : ومختبط ممّا تطيح الطّوائح « 1 » والرياح أربعة : صبا ، ودبور ، وجنوب ، وشمال . والعرب تسمى الجنوب الحامل واللاقحة ، وتسمى الشمال الحائل والعقيم . وفي البخاري صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالصّبا ، وأهلكت عاد بالدّبور » « 2 » . وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه ، عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الرّيح الجنوب من الجنة ، وهي اللواقح التي ذكر اللّه ، وفيها منافع للناس » « 3 » . وفي حديث : « الرّيح من نفس الرحمن » « 4 » . والإضافة هنا إضافة خلق إلى خالق ، كما قال :
مِنْ رُوحِي
« 5 » . ومعنى نفس الرحمن ، أي :
هامش
( 1 ) عجز بيت صدره : ( لبيك يزيد صارع لخصومة ) . وينسب البيت لأكثر من واحد ، والمختبط : طالب العرف المحتاج ، تطيح : تذهب وتهلك ، والطوائح : جمع المطيحة ، بمعنى السنين أو الجوائح . انظر حاشية الشهاب ( 5 / 289 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ؛ ( كتاب الاستسقاء ، باب إذا هبت الريح ) من حديث ابن عباس - رضي اللّه عنه - . ( 3 ) أخرجه ابن جرير في تفسيره . وو زاد السيوطي ، في الدر المنثور ( 4 / 179 ) ، عزوه لابن أبي الدنيا في كتاب السحاب ، وأبى الشيخ في العظمة ، والديلمي في المسند ، وابن مردويه ، من حديث أبي هريرة . ( 4 ) أخرجه أبو داود في ( الأدب ، باب : ما يقول إذا هاجت الريح ) ، عن أبي هريرة ، مرفوعا ، بلفظ : ( الريح من روح اللّه ) ؛ مطولا . ( 5 ) من الآية 29 من سورة الحجر .