تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
من تنفيسه وإزالة الكرب والشدائد ، فمن التنفيس بالريح : النصر بالصبا ، وذر الأرزاق بها ، وجلب الأمطار ، وغير ذلك مما يكثر عده . قاله ابن عطية . والمختار في تفسير اللواقح : أنها حاملة للماء ، بدليل قوله :
فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ
أي : جعلناه لكم سقيا . يقال : سقى وأسقى بمعنى واحد عند الجمهور .
وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
: بممسكين له في الجبال ، والغدران ، والعيون ، والآبار ، فتخرجونه متى شئتم ، بل ذلك من شأن المدبر الحكيم ، فإن طبيعة الماء تقتضى الغور ، فوقوفه دون حد لا بد له من مسبب مخصص ، وجريه بلا انتهاء لا يكون إلا بقدرة السميع العليم ، الذي لا تتناهى قدرته . أو :
وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
؛ بقادرين متمكنين من إخراجه وقت الاحتياج إليه . نفى عنهم ما أثبته لنفسه بقوله :
عِنْدَنا خَزائِنُهُ
.
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
أي : نحيى من نريد إحياءه بإيجاد الحياة فيه ، ونميت من نريد إماتته بإزالة الحياة منه . وقد أول الحياة بما يعم الحيوان والنبات . وتكرير الضمير ؛ للدلالة على الحصر .
وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
: الباقون إذا مات الخلائق كلهم .
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ
أي : علمنا من تقدم ؛ ولادة ، ومن تأخر ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من تقدم إلى الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ، ومن تأخر ، لا يخفى علينا شئ من أحوالكم . وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته ، فإنّ ما يدل على كمال قدرته دليل على كمال علمه . قيل : رغّب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصف الأول ، فازدحموا عليه ، فنزلت ، وقيل : إن امرأة حسناء كانت تصلى خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتقدم بعض القوم ؛ لئلا ينظر إليها ، وتأخر بعض ؛ ليبصرها ، فنزلت . قاله البيضاوي .
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
لا محالة للجزاء ، كأن هذا هو الغرض من ذكر العلم بالمتقدمين والمتأخرين ؛ لأنه إذا أحاط بهم علما لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم .
إِنَّهُ حَكِيمٌ
باهر الحكمة ،
عَلِيمٌ
؛ واسع العلم والإحاطة بكل معلوم . قال البيضاوي : وفي توسيط الضمير - يعنى في قوله :
هُوَ يَحْشُرُهُمْ
؛ للدلالة على أنه القادر والمتولى لحشرهم لا غيره ، وتصدير الجملة بأن ؛ لتحقيق الوعيد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم . ه . الإشارة : ولقد جعلنا في سماء قلوب العارفين بروجا ، وهي المقامات التي ينزلون فيها بشموس عرفانهم ، وهي : التوبة ، والخوف ، والرجاء ، والورع ، والزهد ، والصبر ، والشكر ، والرضى ، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ،
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 83 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان