تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
الإشارة : اعلم أن الخمرة الأزلية ، حين تجلت في مرائي جمالها ، تلونت في تجليها ، فتجلت نورانية ونارية ، ومائية وترابية ، وسماوية وهوائية ، إلى غير ذلك من ألوان تجلياتها ، فكانت الملائكة من النور ، والجن من النار ، والآدمي من التراب ، إلا أن الآدمي فيه روح نورانية سماوية ، فاجتمع فيه الضدان : النور والظلمة ؛ فشرف قدره في الجملة ، فاستحق الخلافة ، فإذا غلبت روحانيته على جسمانيته فضل على جميع التجليات ، وما مثاله إلا كالمرآة التي خلفها الطلاء ، فينطبع فيه الوجود بأسره ، إذا صقلت مرآة قلبه ، فتكون معرفته بالحق أجلى وأنصع من معرفة غيره ؛ لأن المرآة التي خلفها الطلاء يتجلى فيها ما يقابلها أكثر من غيرها . وأيضا بشرية الآدمي كالياقوتة السوداء إذا صقلت كانت أعظم اليواقيت . وسيأتي بقية الكلام عند قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
« 1 » إن شاء اللّه . ثم ذكر تشريف آدم الملائكة بالسجود له ، فقال :

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 28 إلى 41 ]

وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 ) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 31 ) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 36 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) قلت : ( وإذ قال ) : ظرف لاذكر ، وقوله : ( فقعوا ) : أمر ، من وقع ، يقع ، قع ، فهو مما حذفت فاؤه . وقوله :
فَسَجَدَ
معطوف على محذوف ، أي : فخلقه ، وأمر الملائكة فسجدوا .
هامش
( 1 ) من الآية 70 من سورة الإسراء .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 86 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان