تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
قال له تعالى لمّا امتنع واستكبر :
فَاخْرُجْ مِنْها
أي : من السماء ، أو من الجنة ، أو من زمرة الملائكة ،
فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
: مطرود من الخير والكرامة ؛ فإنّ من يطرد يرجم بالحجر ، أو شيطان يرجم بالشهب ، فهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته ، أي : ليس الشرف بالأصل ، إنما الشرف بالطاعة والقرب .
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ
: الطرد والإبعاد
إِلى يَوْمِ الدِّينِ
؛ يوم الجزاء ، ثم يتصل باللعن الدائم . وقيل : إنما حد اللعن لأنه أبعد غاية يضربها الناس ، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن ، فيصير كأنه زال عنه ذلك اللعن .
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي
: أخرنى
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
، أراد أن يجد فسحة في الإغواء ، ونجاة من الموت ، إذ لا موت بعد وقت البعث ، فأجابه إلى الأول دون الثاني ،
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
: المعين فيه أجلك عند اللّه ، وانقراض الناس كلهم ، وهو النفخة الأولى عند الجمهور . وهذه المخاطبة ، وإن لم تكن بواسطة ، لا تدل على منصب إبليس ؛ لأن خطاب اللّه له على سبيل الإهانة والإذلال . قاله البيضاوي . وجزم ابن العربي ، في سراج المريدين ، بأن كلام الحق تعالى إنما كان بواسطة ، قال : لأن اللّه لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس ، فكيف يكلم من تولى إضلالهم . ه . وتردد المازرىّ في ذلك وقال : لا قاطع في ذلك ، وإنما فيه ظواهر ، والظواهر لا تفيد اليقين . ثم قال : وأما قوله :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
: فيحتمل أن يكون بواسطة أو بغيرها ، تقول العرب : كلمت فلانا مشافهة ، بالكلام ، وتارة بالبعث . ه . قلت : الظاهر أنه كلمه بلا واسطة من وراء حجاب ، كلام عتاب وإهانة ، كما يوبخ الكفار يوم القيامة ، مع أن الواسطة محذوفة عند المحققين ، وإن وجدت ، صورة . ثم قال :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
أي : بسبب إغوائك لي ،
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
، وقيل : الباء للقسم ، أي : بقدرتك على إغوائى ، لأزينن لهم المعاصي والكفر في الدنيا ، التي هي دار الغرور . قال ابن عطية : قوله :
رَبِّ
: مع كفره ، يخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق ، وهذا لا يدفع في صدر كفره . وقال ، على قوله :
لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ
: ليس هذا موضع كفره عند الحذاق ؛ لأن إبايته إنما هي معصية فقط ، أي : وإنما كفره لاعتراضه لأمر الحق واستكباره . وأما قوله وتعليله فإنما يقتضى أن آدم مفضول ، وقد أمره أن يسجد لمن هو أفضل منه ، فرأى أن ذلك جور ، فقاس وأخطأ ، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها اللّه تعالى المالك للجميع . ه . مختصرا . وقال المازري : أما كفر إبليس فمقطوع به ؛ لقوله :
اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ *
« 1 » ثم قال : ويؤكده قوله :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
، وقوله :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ . . .
الآية « 2 » ، وغير ذلك من ظواهر ما يدل على كفره .
هامش
( 1 ) من آية 34 من سورة البقرة . ( 2 ) الآية 85 من سورة ( ص ) .