تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
والمشاهدة . وزيناها للناظرين ؛ أي : السائرين حتى يقطعوها جملة محمولين بعناية الجذب ، حتى يحلو لهم ما كان مرا على غيرهم ، وحفظنا سماء قلوبهم من طوارق الشيطان ، إلا ما كان طيفا خياليا لا يثبت ، بل يتبعه شهاب الذكر فيحرقه ، وأرض النفوس مددناها لقيام رسم العبودية ، وظهور عالم الحكمة وآثار القدرة ، وألقينا فيها جبال العقول الرواسي ، لتعرف الرب من المربوب الذي اقتضته الحكمة . وأنبتنا فيها من العلوم الرسمية والعقلية ، ما قدر لها في العلم المكنون ، وجعلنا لكم فيها من علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين ما تتقوت به قلوبكم ، وتعيش به أرواحكم وأسراركم ، وتعولون به من لستم له برازقين من المريدين السائرين . سئل سهل رضي اللّه عنه عن القوت ، فقال : هو الحي الذي لا يموت ، فقيل : إنما سألناك عن القوام . فقال : القوام هو العلم ، فقيل : سألناك عن الغذاء ، فقال : الغذاء هو الذكر ، فقيل : سألناك عن طعام الجسد ، فقال : مالك وللجسد ، دع من تولّاه أولا يتولاه آخرا ، إذا دخلت عليه علة رده إلى صانعه ، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها . وأنشدوا :
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته * وتطلب الربح مما فيه خسران
عليك بالنفس فاستكمل فضيلتها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
واستكمال فضيلة النفس هو تزكيتها وتحليتها حتى تشرق عليها أنوار العرفان ، وتخرج من سجن الأكوان . وباللّه التوفيق . ثم قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
من الأرزاق المعنوية والحسية ، أو العلوم اللدنية ، والفتوحات القدسية ،
إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
؛ فمن توجه بكليته إلينا فتحنا له خزائن غيبنا ، وأطلعناه على مكنون سرنا شيئا فشيئا ،
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
. وقال الورتجبي : علم الإشارة في الآية : دعوة العباد إلى حقائق التوكل ، وهي : قطع الأسباب ، والإعراض عن الأغيار ، قيل : كان الجنيد رضي اللّه عنه إذا قرأ هذه الآية ؛
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
، قال : فأين تذهبون ؟ . وقال حمدون : قطع أطماع عبيده عمن سواه بقوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
، فمن رفع بعد هذا حاجته إلى غيره ، فهو لجهله ولؤمه . ه . وأرسلنا رياح الهداية لواقح ، تلقح الطمأنينة والمعرفة في قلوب المتوجهين ، وتلقح اليقين والتوفيق في قلوب الصالحين ، وتلقح الإيمان والهداية في قلوب المؤمنين ، فأنزلنا من سماء الغيب ماء العلم اللدني ، فأسقيناكموه على أيدي وسائط الشيوخ ، أو بلا واسطة ، وما أنتم له بخازنين ، بل يفيض على قلوبكم عند غلبة الحال ، أو لهداية مريد ، أو عند الاحتياج إليه عند استفتاح القلوب ، وإنا لنحن نحيى قلوبا بالمعرفة واليقين ، ونميت قلوبا بالجهل والكفر ، ونحن الوارثون ؛ لبقاء أنوارنا على الأبد . ولقد علمنا المستقدمين منكم إلى حضرة قدسنا بالاستعداد ، وإعطاء الكلية