تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
بدر . والحق : أنه العذاب الأخروى ؛ إذ هو الذي يفاجأون عنده بالجؤار ، فيجابون بالرد والإقناط عن النصر ، وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار ، حسبما ينبئ عنه قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ
« 1 » ، فإنّ المراد به ما جرى عليهم يوم بدر كما يأتي . وأما الجوع فإن أبا سفيان ، وإن تضرع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يرد عليه بالإقناط ، بل دعا لهم فكشف عنهم . وقوله تعالى :
إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ
أي : يصرخون ؛ استغاثة ، والجؤار : الصراخ باستغاثة . فيقال لهم :
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ
؛ فإن الجؤار غير نافع لكم ،
إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ
أي : لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم .
قَدْ كانَتْ آياتِي
القرآنية
تُتْلى عَلَيْكُمْ
في الدنيا ،
فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ
أي : ترجعون القهقرى ، وتعرضون عن سماعها أشد الإعراض ، فضلا عن تصديقها والعمل بها ، والنكوص : الرجوع القهقرى ، وهي أقبح المشية ؛ لأنه لا يرى ما وراءه ،
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ
، الظاهر أن الضمير للقرآن ؛ لتقدم ذكر آياته ، والباء بمعنى « عن » أي : متكبرين عن سماعه والإذعان له ، أو سببية ، أي : فكنتم بسبب سماعه مستكبرين عن قبوله ، وعمن جاء به ، أو ضمّن مستكبرين معنى مكذبين ، وقيل : يعود إلى البيت الحرام ، أو الحرم ، وأضمر ولم يذكر ؛ لأنه يفهم من السياق . والمعنى : أنهم يستكبرون بسبب المسجد الحرام ؛ لأنهم أهله وأهل ولايته ، وكانوا يقولون : لا يظهر علينا أحد ؛ لأنا أهل الحرم ، وقيل : تتعلق الباء بقوله :
سامِراً
أي : تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ، وكانوا يجتمعون حول البيت يسمرون ، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه ، وفي النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي جاء به ، و « سامرا » : مفرد بمعنى الجمع ، وقرئ سمّارا ،
تَهْجُرُونَ
« 2 » ، إما من الهجر بالفتح ، بمعنى الهذيان ، أي : تهذون في شأن القرآن كما يهذو الحالم أو السكران . أو من الترك ، أي : تتركونه وتفرون منه ، أو تهجرون النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، أو من « الهجر » بالضم ، وهو الفحش ، ويؤيده قراءة من قرأ : « تهجرون » ، من أهجر في منطقه : إذا أفحش . والله تعالى أعلم . الإشارة : من كان قلبه في غمرة حظوظه وهواه ، عاكفا على جمع دنياه ، لا يطمع في دخول حضرة مولاه ، ولو صلى وصام ألف سنة . قال القشيري : لا يصلح لهذا الشأن إلا من كان فارغا من الأعمال كلها ، لا شغل له في شأن الدنيا والآخرة ، فأمّا من شغل بدنياه ، وعلى قلبه حديث من عقباه ، فليس له نصيب من حديث مولاه . ه . وفي الحديث : « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصّحّة والفراغ » « 3 » .
هامش
( 1 ) الآية 76 من سورة المؤمنون . ( 2 ) قرأ نافع « تهجرون » بضم التاء وكسر الجيم ، وقرأ الباقون بفتح التاء وضم الجيم . انظر الإتحاف ( 2 / 286 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب ما جاء في الرقاق ، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة ) عن ابن عباس رضى اللّه عنه .