تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
قال في الحاشية : لمّا ذكر تعالى غفلة الكفار ووعيدهم ، عقّب ذلك بوصف المؤمنين بضد ذلك ويقينهم بالرّجعى ، وإشفاقهم من جلال الحق وقهره . ه . يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
أي : من عذابه خائفون حذرون ،
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ
المنصوبة والمنزّلة ، ( يؤمنون ) بتصديق مدلولها ، وبكتب اللّه كلها ، لا يفرقون بين كتبه ، كالذين تقطعوا أمرهم بينهم - وهم أهل الكتاب وغيرهم ،
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ
شركا جليا ولا خفيا ، بخلاف مشركي العرب والعجم .
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا
أي : يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات . وقرئ : ( يأتون ما أتوا ) بالقصر ، أي : يفعلون من الطاعات ،
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
: خائفة ألّا تقبل منهم ؛ لتقصيرهم ؛ بأن لا يقع على الوجه اللائق ، فيؤخذوا به ويحرموا ثوابه ؛ لأنهم
إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
فيعاتبهم ، أو من مرجعهم إليه ، وهو يعلم ما يحيق عليهم ، والموصولات الأربعة عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر ، في حيّز صلاتها من الأوصاف الأربعة ، لا عن طوائف ، كل واحدة منها متصفة بواحد من الأوصاف المذكورة ، كأنه قيل : إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، وبآيات ربهم يؤمنون . . . إلخ . وإنما كرر الموصول ؛ إيذانا باستقلال كل واحد من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حيالها ، وتنزيلا لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها ، وخبر « إنّ » :
أُولئِكَ يُسارِعُونَ
، أشار إليهم بالجمع باعتبار اتصافهم بتلك النعوت ، مع أنّ الموصول واقع على الجمع . ومعنى البعد ؛ للإشعار ببعد رتبتهم في الفضل ، أي : أولئك المنعوتون بتلك النعوت الجليلة يسرعون
فِي الْخَيْراتِ
أي : يرغبون في الطاعات أشد الرغبة ، فيبادرون إليها . أو يسارعون في نيل الخيرات العاجلة والآجلة الموعودة على الأعمال الصالحات ؛ كما في قوله ، تعالى :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
« 1 » ، وقوله :
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
« 2 » ، فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم ، غير أنه غيّر الأسلوب ، حيث لم يقل : أولئك نسارع لهم في الخيرات ؛ بل أسند المسارعة إليهم ؛ إيماءا إلى كمال استحقاقهم نيل الخيرات لمحاسن الأعمال . وإيثار كلمة « في » ، عن كلمة « إلى » ؛ إيذانا بأنهم متقلّبون في فنون الخيرات ، لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها ، كما في قوله تعالى :
سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
الآية « 3 » .
هامش
( 1 ) من الآية 148 من سورة آل عمران . ( 2 ) الآية 122 من سورة النحل . ( 3 ) الآية 133 من سورة آل عمران .