تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
ثم أمر بالتدبر والنظر ، لعله يقع التيقظ ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 68 إلى 74 ]

أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 70 ) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 74 ) قلت : الهمزة للإنكار ، والفاء للعطف على محذوف ، أي : أفعلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار فلم يتدبروا القرآن ، و « أم » : منقطعة ، فيها معنى الإضراب والتوبيخ في الجميع . يقول الحق جل جلاله :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
؛ يتدبروا القرآن ليعرفوا ، بما فيه من إعجاز النظم وصحة المدلول ، والإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة ، أنه الحق ، فيؤمنوا به ، ويذعنوا لمن جاء به ،
أَمْ جاءَهُمْ
؛ بل أجاءهم من الكتاب
ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
، حتى استبعدوه واستبدعوه ، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال ،
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
أي : بل ألم يعرفوه - عليه الصلاة والسلام - بالأمانة والصدق ، وحسن الأخلاق ، وكمال العلم من غير تعلم ولا مدارسة ، وغير ذلك مما حازه من الكمالات اللائقة بالأنبياء قبله ، بل عرفوه بذلك
فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
بغيا وحسدا .
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
؛ جنون ، وليس كذلك ؛ لأنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلا ، وأثقبهم ذهنا ، وأتقنهم رأيا ، وأوفرهم رزانة ، ولقد شهد له بذلك كل من رآه من الأعداء والأحباب ،
بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ
أي : ليس الأمر كما زعموه في حق الرسول - عليه الصلاة السلام - ، وما جاء به من القرآن ، بل جاءهم بالحق الأبلج والصراط المستقيم ، وبما خالف أهواءهم ، من التوحيد الخالص والدين القيم ، ولم يجدوا له مردا ولا مدفعا ، فلذلك نسبوه إلى الجنون ،
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ
من حيث هو حق ، لا لهذا بعينه ، فلذلك أظهر في موضع الإضمار ،
كارِهُونَ
؛ 0 لما في جبلّتهم من الزيغ والانحراف المناسب للباطل ؛ ولذلك كرهوا هذا الحق الأبلج ، وزاغوا عن الطريق الأبهج ، وفي التعبير بالأكثر دليل على أن أقلهم ما كان كارها للحق ، بل كان تاركا للإيمان به ، أنفة واستنكافا من توبيخ قومه ، أو لقلة فطنته وعدم تفكره ، كأبى طالب وأضرابه . قال أبو السعود : وأنت خبير بأن التعرض لعدم كراهة بعضهم للحق ، مع اتفاق الكل على الكفر به ، مما لا يساعده المقام أصلا . ه . فحمل الأكثر على الكل .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 587 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان