تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
وَهُمْ لَها
أي : لأجل نيل تلك الخيرات ،
سابِقُونَ
الناس إلى الطاعات ، أو : وهم إياها سابقون ، واللام زائدة ؛ لتقوية العامل ، كقوله : ( هم لها عاملون ) أي : ينالونها قبل الآخرة ، فتعجل لهم في الدنيا ، وعن ابن عباس : ( هم لها سابقون ) أي : سبقت لهم من اللّه السعادة ، فلذلك سارعوا في الخيرات . ه . فهو إشارة إلى تيسير كلّ لما خلق له ، وأنه يسّرهم القدر لما وصفهم به من الخير ، كما أن الكفار أمدوا بما يدعوا للغفلة والإعجاب ، مما هو استدراج ومكر من حيث لا يشعرون . قال تعالى :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
أي : طاقتها ، فهو تحريض على تحصيل ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدى إلى نيل الخيرات ؛ ببيان سهولته ، وأنه غير خارج عن حد الوسع والطاقة ، أي : عادتنا جارية بأن لا نكلف نفسا من النفوس إلا ما في طاقتها ، فإن لم يبلغوا في فعل الطاعة مراتب السابقين ، فلا عليهم ، بعد أن يبذلوا طاقتهم ويستفرغوا وسعهم .
وَلَدَيْنا كِتابٌ
أي : صحائف الأعمال التي يرونها عند الحساب ، حسبما يعرب عنه قوله :
يَنْطِقُ بِالْحَقِّ
، كقوله :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 1 » أي : عندنا كتاب أثبت فيه أعمال كل أحد على ما هو عليه ، أو أعمال السابقين والمقتصدين جميعا ، وقوله : ( بالحق ) : يتعلق بينطق ، أي : يظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه ، أو يظهره للسامع ، فيظهر هناك جلائل أعمالهم ودقائقها ، ويرتب عليها أجزيتها ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشر ، وقيل : المراد بالكتاب : اللوح المحفوظ ، وهو مناسب لتفسير ابن عباس بسبق السعادة ، وقوله :
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
، بيان لفضله تعالى وعدله في الجزاء ، إثر بيان لطفه في التكليف وكتب الأعمال ، أي : لا يظلمون في الجزاء ؛ بنقص الثواب أو بزيادة عذاب ، بل يجزون بقدر أعمالهم التي كلّفوها ، ونطقت بها صحائف أعمالهم ، أو : لا يظلمون بتكليف ما لا وسع فيه ، أو : لا ينقصون مما سبق لهم في اللوح المحفوظ شيئا ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ذكر في هذه الآية أربعة أوصاف من أوصاف المقربين ، أولها : الخوف والإشفاق من الطرد والإبعاد ، والثاني : الإيمان الذي لا يبقى معه شك ولا وهم ، بما تضمنته الآيات التنزيلية من الوعد والإيعاد ، والثالث : التوحيد الذي لا يبقى معه شرك جلى ولا خفى ، والرابع : السخاء والكرم ، مع رؤية التقصير فيما يعطى . فمن جمع هذه الخصال كان من السابقين في الخيرات ، ويسارع لهم في تعجيل الخيرات ، وكل ذلك بقدر ما يطيق العبد ، مع بذل المجهود في فعل الخيرات . قال في الحاشية : والمسارعة إلى الخيرات إنما هو بقطع الشرور ، وأول الشرور : حب الدنيا ؛ لأنها مزرعة الشيطان ، فمن طلبها وعمرها فهو حراثه وعبده ، وشر من الشيطان من يعين الشيطان على عمارة داره ، وما ذلك إلا أنه لم يهتم بأمر معاده ومنقلبه ، لما جرى عليه في السابقة من الحكم ، ولا كذلك من وصفه بالإشفاق من المؤمنين ؛ إجلالا لربهم ، ورجوعا لحكمه فيهم غيبا ، فلا يأمنون مكره بحال ، ولا يركنون إلى أعمال ، بل عمدتهم
هامش
( 1 ) من الآية 29 من سورة الجاثية .