تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
ربهم ورحمته في كل حال . والله أعلم . والحاصل : أنهم مع كونهم يخشون ربهم ويؤمنون بآياته ، ولا يشركون به شيئا ، ويودون طاعته ، يخافون عدم قبوله لهم عند الرجوع إليه ، ولقائهم له ؛ لأنه يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، وأحكامه لا تعلل ، ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده . ه . قوله : « ومن استغرق فيه لم يقف مع وعده » أي : لأنه قد يرتب ذلك على شروط أخفاها عنه ، ليدوم خوفه واضطراره ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره ، وليس خوف العارف من السابقة ولا من الخاتمة ؛ لأنه شغله استغراقه في الحق والغيبة فيه عن الشعور بالسابقة واللاحقة ، إنما خوفه من الإبعاد بعد التقريب ، أو الافتراق بعد الجمع ، وهذا أيضا قبل التمكين ، وإلا فالكريم إذا أعطى لا يرجع . والله تعالى أعلم . ثم ذكر من اتصف بضد الأوصاف المتقدمة ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 63 إلى 67 ]

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) قلت : « بل » : إضراب عما قبله من أوصاف المؤمنين ، وانتقال إلى أضدادهم من الكافرين ، والضمير للكفرة ، و « حتى » : ابتدائية مختصة بالدخول على الجمل . يقول الحق جل جلاله :
بَلْ قُلُوبُهُمْ
أي : الكفرة المستدرج بهم ، وهم لا يشعرون ،
فِي غَمْرَةٍ
؛ في غفلة غامرة لها ، مما عليه هؤلاء الموصوفون بما تقدم من الخشية وما بعده ، أو مما بيّن في القرآن من أن لديه كتابا ينطق بالحق ، ويظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد ، فيفضحون بها ، كما ينبئ عنه ما بعده من قوله :
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ . .
.
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ
أي : ولهم أعمال خبيثة كثيرة ، متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون ، من الأعمال الصالحات ، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم ،
هُمْ لَها عامِلُونَ
، وعليها مقيمون ، مستمرون عليها ، حتى يأخذهم الله بالعذاب ، كما قال :
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ
أي : منعميهم
بِالْعَذابِ
أي : عذاب الدنيا ، وهو القحط سبع سنين ، حين دعا عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « اللهمّ اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنىّ يوسف » « 1 » ، فقحطوا حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام . أو : القتل يوم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( الأذان ، باب يهوى بالتكبير حين يسجد ) ، ومسلم في ( المساجد ، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة ) ، عن أبي هريرة رضى اللّه عنه .