تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
وعدم الفطنة أو العناد والمكابرة ،
وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ
؛ عن طريق الحق
لَناكِبُونَ
أي : لعادلون عن هذا الصراط المذكور ، وهو الصراط المستقيم ، وصفهم بعدم الإيمان بالآخرة ، تشنيعا لهم بما هم عليه من الانهماك في الدنيا ، وزعمهم ألّا حياة إلّا حياة الدنيا ، وإشعارا بعلّيّة الحكم ؛ فإن الإيمان بالآخرة وخوف ما فيها من الدواهي من أمور الدعاوى إلى طلب الحق وسلوك سبيله . والله تعالى أعلم . الإشارة : كل من أنكر على أهل الخصوصية ، ولم يعرف خصوصيتهم ؛ فسببه ثلاثة أمور : إما أنه لم يصحبهم ولم يتدبر ما يقولون ، ولا ما يأمرون به وينهون عنه ، وإنما يرميهم رجما بالغيب ، وإما أنه حسدهم وخاف على جاهه أن ينتقل لغيره ، وإما أنهم أتوا بخرق عوائد النفوس التي لم تكن لأبائهم الأولين ، فقالوا : ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ، وإنما جاءهم بالحق ، وأكثرهم للحق كارهون ، وكيف تخرق للعبد العوائد ، وهو لم يخرق من نفسه العوائد ؟ . ( ولو اتبع الحق أهواءهم ) ، بأن كانت التربية على طريق العوائد ، والاستمرار معها ، لفسد النظام ، ولبقى الكون كله ظلمة لجميع الأنام ؛ إذ لا يمكن أن يصير الكون نورا ، بظهور الحق فيه ، إلا بخرق عوائد النفوس ، وإخراجها عن هواها ، فحينئذ تخرق له ظلمة الكون ، فيفضى إلى شهود المكوّن ، ( بل أتيناهم بذكرهم ) أي : بشرفهم ، بمعرفة الحق على نعت العيان ، ( وهم عن ذكرهم معرضون ) ؛ حيث انهمكوا في عوائدهم ، ولم يقبلوا من يخرجهم عنها ويعرفهم بالله لله ، من غير خراج ولا طمع . قال تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : ( أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير ) . قال القشيري : أي : إنّك لا تطالبهم على تبليغ الرسالة بأجرة ، ولا بإعطاء عوض ، حتى تكون في موضع التهمة فيما تأتيهم به من الشريعة ، أم لعلك تريد أن يعقدوا لك الرئاسة ، ثم قال : والذي لك من الله - سبحانه - من جزيل الثواب ، وحسن المآب ، يغنيك عن التصدي لنيل ما يكون في حصوله منهم مطمع . وهذه كانت سنّة الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام - ؛ عملوا للّه فلم يطلبوا عليه أجرا من غير الله ، والعلماء ورثة الأنبياء في التنزه من التّدنّس بالأطماع ، والأكل بالدين ، فإنه ربا مضرّ بالإيمان ، إن كان العمل لله فالأجر منتظر من اللّه ، وهو موعود من قبل الله . ه . وراجع ما تقدم في سورة هود ؛ فإنه أو في من هذا « 1 » . وقوله تعالى : ( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ) ، هو طريق الوصول إلى شهود الذات الأقدس ، من طريق التربية ، التي هي مخالفة الهوى والخروج عن العوائد . وقال القشيري : الصراط المستقيم : هو شهود الحقّ بنعت الانفراد في جميع الأشياء ، والإيجاف « 2 » ، والاستسلام لقضايا الإلزام ، بمواطأة القلب من غير استكراه الحكم . ه . وقال الورتجبي عن بعضهم : لولا أن الله - تعالى - أمر بمخالفة النفوس ومباينتها ، لاتّبع الخلق أهواءهم في شهوات
هامش
( 1 ) راجع إشارة الآية 29 من سورة هود . ( 2 ) في القشيري : وفي الإيجاد .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 589 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان