تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ
بأن كان في الواقع آلهة شتى ؛
لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
كما تقدم في قوله :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
« 1 » ، فالاتباع هنا مجاز ، أي : لو جاء الوحي على ما يشتهون لفسدت السماوات ، فالحق هنا هو المذكور في قوله : ( بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ) ، والمعنى : لو كان ما كرهوه من الحق ، الذي من جملته ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم ، موافقا لأهوائهم الباطلة ؛ لفسد نظام العالم ، وتخصيص العقلاء بالذكر حيث عبّر بمن ؛ لأنّ غيرهم تبع .
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ
: بشرفهم ، وهو القرآن الذي فيه فخرهم وشرفهم ، كما قال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
« 2 » ؛ لأن الرسول منهم ، والقرآن لغتهم ، أو بتذكيرهم ووعظهم ، أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ، ويقولون : ( لو أن عندنا ذكرا من الأولين ) « 3 » ،
فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
أي : فهم ، بما فعلوا من النكوص ، عن فخرهم وشرفهم معرضون ، وهذا مما جبلت عليه النفوس الأمّارة ؛ الإعراض عما فيه خيرها ، والرغبة فيما فيه هلاكها ، إلا من عصم الله ، وفي إسناد الإتيان إلى نون العظمة ، بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ، من التنويه بشأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما لا يخفى . انظر أبا السعود .
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً
، هذا انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم : ( أم يقولون به جنّة ) ، إلى التوبيخ بوجه آخر ، كأنه قال : أم يزعمون أنك تسألهم عن أداء الرسالة
خَرْجاً
أي : جعلا ، فيتهمونك ، أو يثقل عليهم فلذلك لا يؤمنون ،
فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ
أي : رزقه في الدنيا ، وثوابه في الآخرة ، خير لك من ذلك ؛ لدوامه وكثرته ، أي : لا تسألهم ذلك ؛ فإن ما رزقك الله في الدنيا والعقبى خير لك من ذلك ، وفي التعرض لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - ، من تعليل الحكم وتشريفه صلى اللّه عليه وسلم ما لا يخفى . والخرج والخراج واحد ، وهو : الأجر المأخوذ على العمل ، ويطلق على الغلة والضربية ، كخراج العبد والأرض ، وقال النضر بن شميل : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخراج والخرج ، فقال : الخراج مالزمك ، والخرج ما تبرّعت به ، وقيل : الخرج أخص من الخراج ؛ لأنّ الخراج يطلق على كل ما يستفيده المرء من غلة ، أو أجرة ، أو زكاة ، والخرج خاص بالأجرة ، وفي الخراج إشعار بالكثرة ، فلذلك عبّر به في جانبه - تعالى - والمعنى : أم تسألهم ، على هدايتك لهم ، قليلا من عطاء الخلق ، فالكثير من عطاء الخالق خير ،
وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
: أفضل المعطين .
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
تشهد العقول السليمة باستقامته ، ليس فيه شائبة اعوجاج ، توجب اتهامهم لك بوجه من الوجوه ، ولقد ألزمهم الله - تعالى - الحجة ، وأزاح عللهم في هذه الآيات ، حيث حصر أقسام ما يؤدى إلى الإنكار والاتهام من قوله :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ . . .
إلى هنا ، وبيّن انتفاءها ، ولم يبق إلا كراهة الحق
هامش
( 1 ) من الآية 22 من سورة الأنبياء . ( 2 ) من الآية 44 من سورة الزخرف . ( 3 ) كما حكى القرآن عنهم في الآية 168 من سورة الصافات .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 588 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان