تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
وقد تكلم الصوفية في قول أيوب عليه السّلام :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
؛ هل شكى ضرر جسمه ، أو ضرر قلبه من جهة دينه ؟ قال بعضهم : قيل : إنه أراد النهوض إلى الصلاة فلم يستطع ، فقال :
( مَسَّنِيَ الضُّرُّ )
، وقيل : إنه أكل الدود جميع جسده ، حتى بقي عظاما ، فلما قصد الدود قلبه ولسانه غار على قلبه ؛ لأنه موضع المعرفة والتوحيد ، والنبوة والولاية ، وأسرار اللّه تعالى ، وخاف انقطاع الذكر ، فقال :
( مَسَّنِيَ الضُّرُّ )
، وقيل : خاف تبدد همه وتفرق قلبه ، وليس في العقوبة شئ أشد من تبدد الهم ، فتارة يقول : لعلى ببلائى معاقب ، وتارة يقول : بضرى مستدرج ، فلما خاف تشتيت خاطره عليه ، قال :
( مَسَّنِيَ الضُّرُّ )
. ه . قلت : هذا المقام لا يليق بالأنبياء ، وإنما يجوز على غيرهم ؛ إذ الأولياء يترقون عن هذا المقام فكيف بالأنبياء ! وقال بعضهم : قال : مسني الضر من شماتة الأعداء ، واقتصر عليه ابن جزى ، وفيه شئ ؛ إذ كثير من الأولياء سقط الناس من عينهم ، فلا يبالون بخيرهم ولا شرهم ، ولا مدحهم ولا ذمهم ، فكيف بالأنبياء - عليهم السّلام - ؟ ! وقال القشيري : كان ذلك منه إظهارا للعجز ، لا اعتراضا ، فلا ينافي الصبر ، مع ما فيه من التنفيس عن الضعفاء من الأمة ، ليكون أسوة . ويقال : إن جبريل أمره بذلك ، وقال له : إن اللّه يغضب إن لم يسأل ، وسيان عنده البلاء والعافية ، فسله العافية . ويقال : إن أيوب كان مكاشفا بالحقيقة ، مأخوذا عنه ، وكان لا يحس بالبلاء ، فستر عليه ، فردّه إليه ، فقال : مسني الضّرّ ، وقيل : أدخل على أيوب تلك الحالة ، فاستخرج منه تلك المقالة ؛ ليظهر عليه سمة العبودية « 1 » . ه . وقال الورتجبي : سئل الجنيد عن قوله :
( مَسَّنِيَ الضُّرُّ )
، فقال عرّفه فاقة السؤال ، ليمنّ عليه بكرم النوال ، وفي الحديث المروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه جاء إليه رجل فسأله عن قول أيوب « مسني الضر » ، فبكى - عليه الصلاة والسّلام - وقال : والذي بعثني بالحق نبيا ما شكى فقرا نزل من ربه ، ولكن كان في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات ، فلما كان في بعض الساعات وثب ليصلى ، فلم يستطع النهوض ، فقال :
( مَسَّنِيَ الضُّرُّ )
إلخ . ثم قال عليه الصلاة والسّلام - : أكل الدود عامة جسد حتى بقي عظاما نخرة « 2 » ، فكادت الشمس تطلع من قبله وتخرج من دبره ، وما بقي إلا قلبه ولسانه ، وكان قلبه لا يخلو من ذكر اللّه ، ولسانه لا يخلو من ثنائه على ربه ، فلما أحب اللّه له الفرج ، بعث إليه الدودتين ؛ إحداهما إلى لسانه والأخرى إلى قلبه ، فقال : يا رب ما بقي إلا هاتان الجارحتان ، أذكرك بهما ، فأقبلت هاتان الدودتان إليهما ليشغلانى عنك ويطلعان على سرى ، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . ه . وفي قوله تعالى :
( رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ )
: تسلية لمن أصيب بشئ من هذه التعرفات الجلالية ، وقد تقدم في أول الإشارة الكلام على هذا . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) باختصار . ( 2 ) لم أقف عليه .