تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكر
ذَا النُّونِ
أي : صاحب الحوت ، وهو يونس عليه السّلام ،
إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً
أي : مراغما لقومه ، فارا عنهم ، وغضب من طول دعوته إياهم ، وشدة شكيمتهم ، وتمادى إصرارهم ، فخرج مهاجرا عنهم ، قبل أن يؤمر ، وقيل : وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم ؛ لأجل توبتهم ، ولم يشعر بها ، فظن أنه كذبهم ، فغضب من ذلك ، فهو من باب المغالبة ؛ للمبالغة ؛ أو لأنه غضب لما رأى منهم من الإصرار ، وغضبوا لمفارقته إياهم ، وكان من حقه عليه السّلام أن يصبر وينتظر الإذن الخاص من اللّه تعالى ، فلما استعجل ابتلى ببطن الحوت ، وقال ابن عباس : قال جبريل ليونس عليه السّلام : انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم ، قال : ألتمس دابة ، قال : الأمر أعجل من ذلك ، فانطلق إلى السفينة فركبها ، فاحتبست السفينة فساهموا فسهم ، فجاءه الحوت يبصبص بذنبه ، فنودي الحوت : إنا لم نجعل يونس لك رزقا ، إنما جعلناه لك حرزا ، فالتقمه ، ومرّ به على الأبلة ، ثم على دجلة ، ثم مرّ به حتى ألقاه بنينوى . ه . وقال وهب بن منبه رضى اللّه عنه : إنّ يونس كان عبدا صالحا ضيّق الخلق ، « 2 » فلما حمل أثقال النبوة تفسخ منها تفسّخ الرّبع « 1 » تحت الحمل الثقيل ، فقذفها وخرج هاربا عنها ، ولذلك أخرجه اللّه من أولى العزم ، قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
« 3 » وقال :
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ
« 4 » أي : لا تلق أمرى كما ألقاه . ه . وأما قول الحسن : مغاضبا لربه ، فلا يليق بمقام الأنبياء - عليهم السلام - إلا أن يحمل على أن خروجه بلا إذن كأنه مغاضب . واللّه تعالى أعلم . ثم قال تعالى :
فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
أي : لن نضيق عليه ، أو لن نقدر عليه بالعقوبة ، فهو من القدر ، ويؤيده قراءة من شدّد ، وعن ابن عباس رضى اللّه عنه قال : دخلت يوما على معاوية ، فقال : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة ، فغرقت فيها ، فلا أرى لنفسي خلاصا إلا بك ، قال : وما هي ؟ فقرأ الآية . . . فقال : أو يظن نبي اللّه ألا يقدر عليه ؟ قال : هذا من القدر لا من القدرة . ه . وقيل : إنه على حذف الاستفهام . أي : أيظن أن لن نقدر عليه ، وقيل : هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن يقدر عليه ، أي : تعامل معاملة من ظن أن لن نقدر عليه ؛ حيث استعجل الفرار . قلت : لإعلاء مقامه كثرت مطالبته بالأدب ، فحين خرج من غير إذن خاص ؛ عدّ خروجه كأنه ظن ألا تنفذ فيه القدرة ، وتمسك عليه السّلام بالإذن العام ، وهو الهجرة من دار الكفر ، وهو لا يكفى في حق أمثاله ، فعوقب بالسجن في بطن الحوت .
هامش
( 1 ) الربع : ولد الناقة أول ما يحمل عليه . ( 2 ) هذا لا يصح أن يوصف به سيدنا يونس ، الذي قال فيه سيدنا محمد : « لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى » . ( 3 ) من الآية 35 من سورة الأحقاف . ( 4 ) من الآية 48 من سورة القلم . وانظر تفسير الطبري ( 17 / 77 ) ، والبغوي ( 5 / 350 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 492 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان