تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
أي : في الظلمة الشديدة المتكاثفة كقوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ . . .
« 1 » ، أو في ظلمة بطن الحوت والبحر والليل :
أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
أي : بأنه لا إله إلا أنت ، أو تفسيرية ، أي : قال لا إله إلا أنت ،
سُبْحانَكَ
أي : أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شئ ، أو : تنزيها لك عما ظننت فيك ،
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
لنفسي ؛ بخروجي عن قومي قبل أن تأذن لي ، أو من الظالمين لأنفسهم بتعريضها للهلكة ، وعن الحسن : ما نجاه ، واللّه ، إلا إقراره على نفسه بالظلم .
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
أي : أجبنا دعاءه الذي دعا في ضمن الاعتراف بالذنب على ألطف وجه وأحسنه . عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مكروب يدعو بهذا الدّعاء إلّا استجيب له » « 2 » .
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
: الذلة والوحشة والوحدة ، وذلك بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات ، وقيل : بعد ثلاثة أيام ،
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
أي : مثل ذلك الإنجاء الكامل ننجى المؤمنين من غمومهم ، إذا دعوا اللّه ، مخلصين في دعائهم . وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اسم اللّه الذي إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى : دعوة يونس بن متى ، قيل : يا رسول اللّه ، أليونس خاصة ؟ قال : بل هي عامة لكل مؤمن ، ألم تسمع قول اللّه تعالى :
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
» . وهنا قراءات في
نُنْجِي
، مذكورة في كتب القراءات ، تركتها لطول الكلام فيها . الإشارة : من تحققت له سابقة العناية لا تبعده الجناية ، ولا تخرجه عن دائرة الولاية ، بل يؤدب في الدنيا بالابتلاء في بدنه أو ماله ، على قدر الجناية وعلو المقام ، ثم يرد إلى مقامه . وهاهنا حكايات للصوفية - رضى اللّه عنهم - من هذا النوع ، منها : حكاية خير النساج رضى اللّه عنه ، قيل له : أكان النسج صنعتك ؟ قال : لا ، ولكن كنت عاهدت اللّه واعتقدت ألا آكل الرطب ، فغلبتني نفسي واشتريت رطلا منه ، فجلست لآكله ، فإذا رجل وقف علىّ ، وخنقني ، وقال : يا عبد السوء ، أتهرب من مولاك - وكان له عبد اسمه : « خير » أبق منه ، ألقى اللّه شبهه علىّ - فحملني إلى حانوته ، وقال : اعمل عملك ، أمرني بعمل الكرباس - وهو القطن - فدليت رجلي لأنسجه ، فكأني كنت أعمله سنين ، فبقيت معه أشهرا ، فقمت ليلة إلى صلاة الغداة ، وقلت : إلهي لا أعود ، فأصبحت ، فإذا الشبه قد زال عنى ، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها ، فأطلقت ، فثبت علىّ هذا الاسم ، فكان سببه اتباع شهوتي . ومنها قضية أبى الخير العسقلاني رضى اللّه عنه قال : اشتهيت السمك سنين ، ثم ظهر له من وجه حلال ، فلما مد يده ليأكل ، أخذت شوكة من عظامه إصبعه ، فذهبت في ذلك ، فقال : إلهي هذا لمن مد يده لشهوة من حلال ، فكيف
هامش
( 1 ) من الآية 17 من سورة البقرة . ( 2 ) أخرجه الترمذي في ( الداعوة باب 82 ) ، وأبو يعلى ( 2 / 65 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 505 ) ، وصححه ووافقه الذهبي ، من حديث سعد بن أبي وقاص . وأخرجه أحمد في قصة ( 1 / 170 ) .