تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
قلت : تسليط الشيطان على بشرية الأنبياء الظاهرة : جائز وواقع . وأما الأمراض المنفرة ، فإن كانت بعد التبليغ وتقرير الشرائع ، فجائز عند بعضهم ، وهو الصواب ، جمعا بين ما ثبت في الأخبار عن السلف وبين الدلائل العقلية في تنزيه الأنبياء - عليهم السّلام - ، لأن العلة هي تنفير الخلق عنهم ، وبعد التبليغ فلا يضر ، وقد ورد أن شعيبا عليه السّلام عمى في آخر عمره ، وكذلك يعقوب ، وكان بعد تبليغ الرسالة ، فلم يضر . ثم قال تعالى في حق أيوب عليه السّلام :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ
؛ إنعاما عليه ، فلمّا قام من مرضه جعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل ، والمال ، ثم أحيا اللّه أولاده بأعيانهم ، ورزقه مثلهم ، ورد عليه ماله ، بأن أخلف له مثله ، وذلك قوله تعالى :
وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
وقيل : كان ذلك بأن ولد له ضعف ما كان له . وقال عكرمة : آتيناه أهله في الآخرة ، ومثلهم معهم في الدنيا ، والأول هو ظاهر الآية ، ردهم اللّه تعالى بأعيانهم ؛ إظهارا لكمال قدرته تعالى . ثم قال
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا
: مفعول من أجله ، أي : آتينا ما ذكر لرحمتنا أيوب ،
وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ
أي : وتذكرة لغيره من العابدين ؛ ليصبروا كما صبر ، ويثابوا كما أثيب ، أو لرحمتنا العابدين ، الذين من جملتهم أيوب ، وذكرنا إياهم بالإحسان ، وعدم نسياننا لهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ما ينزل بالمؤمن من الأوجاع والأسقام والشدائد والنوائب ، في النفس ، أو في الأهل ، كله رحمة ، عظيمة ، ومنّة جسمية ، ويقاس عليه : مفارقة الأحباب والأوطان ومشاق الأسفار والمتاعب البدنية ، ويسمى عند الصوفية : التعرفات الجلالية ؛ لأن اللّه تعالى يتعرف إليهم بها ؛ ليعرفوه عيانا ، ولذلك تجدهم يفرحون بها ، وينبسطون عند ورودها ؛ لما يتنسمون فيها ، ويجدون بعدها ، من مزيد الاقتراب وكشف الحجاب ، وطي مسافة البعد بينهم وبين رب الأرباب ، فهم يؤثرونها على الأعمال الظاهرة ؛ لما يتحققون بها من وجود الأعمال الباطنية ؛ كالصبر والزهد والرضا والتسليم ، وما ينشأ عنها ، عند ترقيق البشرية ، من تشحيذ الفكرة والنظرة ، وغير ذلك من أعمال القلوب . وفي الحكم : « إذا فتح لك وجهة من التعرف ، فلا تبالي معها إن قلّ عملك ؛ فإنه ما فتحها لك إلّا وهو يريد أن يتعرف إليك منها ، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك ، والأعمال أنت مهديها إليه ، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك ؟ » . قال الشيخ ابن عباد رضى اللّه عنه : معرفة اللّه تعالى هي غاية المطالب ، ونهاية الأماني والمآرب ، فإذا واجه اللّه عبده ببعض أسبابها ، وفتح له باب التعرّف له منها ، فذلك من النعم الجزيلة عليه ، فينبغي ألا يكترث بما يفوته بسبب ذلك من أعمال البر ، وما يترتب عليها من جزيل الأجر ، وليعلم أنه سلك به مسلك الخاصة المقرّبين ،
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 488 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان