تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
المؤدّى إلى حقائق التوحيد واليقين ، من غير اكتساب من العبد ولا تعمّل ، والأعمال التي من شأنها أن يتلبس بها هي باكتسابه وتعمله ، وقد لا يسلم من دخول الآفات عليها ، والمطالبة بوجود الإخلاص فيها ، وقد لا يحصل له ما أمّله من الثواب عند مناقشة الحساب ، وأين أحدهما من الآخر ؟ . ومثاله : ما يصاب به الإنسان من البلايا والشدائد التي تنغّص عليه لذات الدنيا ، وتمنعه من كثير من أعمال البر ، فإنّ مراد العبد أن يستمر بقاؤه في الدنيا ، طيّب العيش ناعم البال ، ويكون حاله في طلب سعادة الآخرة حال المترفين ؛ فلا تسخو نفسه إلا بالأعمال الظاهرة ، التي لا كثير مؤنة عليه فيها ولا مشقة ، ولا تقطع عنه لذة ، ولا يفوته شهوة ، ومراد اللّه منه أن يطهره من أخلاقه اللئيمة ، ويحول بينه وبين صفاته الذميمة ، ويخرجه من أسر وجوده إلى متسع شهوده ، ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا المقام على غاية الكمال والتمام ، إلا بما يضاد مراده ، ويشوش عليه معتاده ، وتكون حاله حينئذ المعاملة بالباطن ، ولا مناسبة بينها وبين الأعمال الظاهرة ، فإذا فهم هذا علم أن اختيار اللّه له ، ومراده منه ، خير من اختياره لنفسه ومراده لها . وقد روى أن اللّه تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : « إني إذا أنزلت بعبدي بلائي ، فدعاني ، فماطلته بالإجابة ، فشكانى ، قلت : عبدي كيف أرحمك من شئ به أرحمك » ؟ وفي حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « قال اللّه تعالى : إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكنى إلى عوّاده ، أنشطته من عقالى ، وبدّلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، ويستأنف العمل » « 1 » . ثم نقل عن أبي العباس ابن العريف رضى اللّه عنه قال : كان رجل بالمغرب يدعى أبا الخيّار ، وقد عمّ جسده الجذام ، ورائحة المسك توجد منه على مسافة بعيدة ، لقيه بعض الناس ، فقال له : يا سيدي كأن اللّه تعالى لم يجد للبلاء محلا من أعدائه حتى أنزله بكم ، وأنتم خاصة أوليائه ! ! فقال لي : اسكت ، لا تقل ذلك ؛ لأنا لمّا أشرفنا على خزائن العطاء ، لم نجد عند اللّه أشرف ولا أقرب من البلاء ، فسألناه إيّاه « 2 » ، وكيف بك لو رأيت سيّد الزهّاد ، وقطب العباد ، وإمام الأولياء والأوتاد ، في غار بأرض طرطوس وجبالها ، ولحمه يتناثر ، وجلده يسيل قيحا وصديدا ، وقد أحاط به الذباب والنمل ، فإذا كان الليل لم يقنع بذكر اللّه وشكره على ما أعطاه من الرحمة ، حتى يشدّ نفسه بالحديد ، ويستقبل القبلة عامّة ليله حتى يطلع الفجر . ه .
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( الجنائز ، بال ما ينبغي لكل مسلم أن يستشعره من الصبر . . ) ، والحاكم في المستدرك ( الجنائز 1 / 349 ) عن أبي هريرة ، وصححه الحاكم ، وأقره الذهبي . ( 2 ) أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتداوى . وقال : « اسألوا اللّه العافية » .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 489 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان