تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
وقوله تعالى :
( بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ . . . )
الآية ، تمتيع العبد بطول الحياة ، إن كان ذلك في طاعة اللّه ، وازدياد في معرفته ، فهو من النعم العظيمة . وفي الحديث : « خيركم من طال عمره وحسن عمله » « 1 » . لكن عند الصوفية : أنه لا ينبغي للمريد أن ينظر إلى ما مضى من عمره في طريق القوم ، فقد كان بعض الشيوخ يقول : لا يكن أحدكم عبد الدهور وعبد العدد . قال الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه : معنى كلامه : أنه لا ينبغي للفقير أن يعد كم له في طريق القوم ، ليقول : أنا لي كذا وكذا من السنين في طريق القوم . ه بالمعنى . ولعل علة النهى ؛ لئلا يرى للأيام تأثيرا في الفتح ، فقد قالوا : هي لمن صدق لا لمن سبق . وقوله تعالى :
( أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها )
قال القشيري : فيه إشارة إلى سقوط قوى العبد بمرور السنين ، وتطاول العمر ، فإن آخر الأمر « 2 » كما قيل :
آخر الأمر ما ترى : * القبر واللّحد والثرى
وكما قيل :
طوى العصران « 3 » ما نشراه منى * فأبلى جدّتى نشر وطيّ
أراني كلّ يوم في انتقاص * ولا يبقى مع النقصان شيّ « 4 »
وكأنه فسر الأرض بأرض النفوس من باب الإشارة . واللّه تعالى أعلم . ولمّا بيّن الحق تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون ، ونهاية سوء حالهم ، عند إتيانه ، ونعى عليهم جهلهم بذلك ، وإعراضهم عند ذكر ربهم ، الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار ، أمر نبيه - عليه الصلاة والسلام - بأن يخبرهم أن ما ينذرهم به ، مما يستعجلونه ، إنما هو بالوحي ، لا من عنده ، فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 45 إلى 47 ]

قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ ( 45 ) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 46 ) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ( 47 )
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( ح 2329 ) عن عبد اللّه بن بسر ، وحسّنه ، بلفظ : « خير الناس من طال عمره وحسن عمله » . ( 2 ) في الأصول : إلى آخر الأمد . ( 3 ) في الأصول : « العمران ما نشأة » ، والمثبت : من لطائف الإشارات . . . والعصران : الغداة والعشى ، أو الليل والنهار . انظر : اللسان ( عصر 4 / 2968 ) . ( 4 ) نسب البيتان إلى محمد بن يعقوب بن إسماعيل ، انظر : الوافي بالوفيات ( 5 / 222 ) ، كما نسبا إلى أبى بكر بن أبي الدنيا ، كما في تاريخ بغداد ( 14 / 311 ) .