تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
وقيل : العجل الطين ، بلغة حمير ، ولا مناسبة له هنا . قال تعالى ، صارفا للخطاب عن الرسول إلى المستعجلين :
سَأُرِيكُمْ آياتِي
: نقماتى ، كعذاب النار وغيره ،
فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
بالإتيان بها ، وهو نهى عما جبلت عليه نفوسهم ؛ ليقهروها عن مرادها من الاستعجال .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ
: إتيان العذاب ، أو القيامة ،
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في وعدكم بأنه يأتينا ، قالوه استعجالا بطريق الاستهزاء والإنكار ، لا طلبا لتعيين وقته ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجىء الساعة . قال تعالى :
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
، هذا استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه ، وفظاعة ما فيه من العذاب ، وأنهم يستعجلونه لجهلهم بشأنه . وقوله تعالى :
حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
: مفعول « يعلم » ، وهو عبارة عن الوقت الموعود ، الذي كانوا يستعجلونه . وقوله :
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : حين يرون ويعلمون حقيقة الحال ، وهو معاينة العذاب . وجواب « لو » : محذوف ، أي : لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه بقولهم : متى هذا الوعد ؟ وهو الوقت الذي تحيط بهم النار من ورائهم وقدامهم ، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم ، ولا يجدون ناصرا ينصرهم ، لما كانوا بهذه الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ، ولكن جهلهم به هو الذي هوّنه عندهم .
بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً
أي : بل تأتيهم النار أو الساعة فجأة ،
فَتَبْهَتُهُمْ
: فتحيّرهم أو تغلبهم ،
فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها
؛ فلا يقدرون على دفعها عنهم ، أي : النار أو الساعة ،
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
: يمهلون ؛ ليستريحوا طرفة عين . ثم سلّى رسوله عن استهزائهم ، فقال :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ
: نزل أو أحاط أو حلّ
بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ
أي : من أولئك الرسل - عليهم السلام - جزاء
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
، وهو العذاب الدائم . نسأل اللّه العافية . الإشارة : كل من خرق عوائد نفسه ، وخرج عن عوائد الناس ، أو أمر بالخروج عن العوائد ، رفضه الناس واتخذوه هزوا ، سنة اللّه التي قد خلت من قبل ، لم يأت أحد بذلك إلا عودي ، فإن ظهر عليه أثر الخصوصية ؛ من علم لدني ، أو هداية خلق على يده ، استعجلوه بإظهار الكرامة ، كما هو شأن الإنسان ، خلق من عجل ، فيقول : سأوريكم آياتي ، فإن الأمر إذا كان مؤسسا على الحق لا بد أن تظهر أنواره وأسراره ، فلو يعلم الذين كفروا بطريق الخصوص ، حين ترهقهم الحسرة ، وتحيط بهم الندامة ، إذا رأوا أهل الصفاء يسرحون في أعلى عليين حيث شاءوا ، وجوههم كالشموس الضاحية ، لبادروا إلى الانقياد لهم ، وتقبيل التراب تحت أقدامهم ، ولكنهم اليوم في غفلة ساهون .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 463 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان