ويقال لمن أنكر عليه أهل زمانه طريق التجريد وخرق العوائد : ولقد استهزئ بمن كان قبلك ممن سلك هذه الطريق ، فأوذوا ، وضربوا ، وأخرجوا من بلادهم ، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون ، إما في الدنيا أو في الآخرة .
فإذا نزل بأسه فلا حافظ منه إلا الرحمن ، كما قال تعالى :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 42 إلى 44 ]
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ( 43 ) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ ( 44 )
يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
لهم يا محمد :
مَنْ يَكْلَؤُكُمْ
: يحفظكم
بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ
بأس
الرَّحْمنِ
الذي تستحقونه ، إذا نزل بكم ليلا أو نهارا . قال الواسطي : من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن أن يظهر عليكم ما سبق فيكم ؟ وقال ابن عطاء : من يكلؤكم من أمر الرحمن سوى الرحمن ، وهل يقدر أحد على الكلاءة سواه ؟ . وتقديم الليل ؛ لأن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا . وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلاءتهم ليس إلا برحمته العامة .
بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
أي : بل هم معرضون عن ذكره ، ولا يخطرونه ببالهم ، فضلا أن يخافوا بأسه ، حتى إذا رزقوا الكلاءة عرفوا من الكالئ ، وصلحوا للسؤال عنه .
والمعنى : أنه أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - بسؤالهم عن الكالئ ، ثم أضرب عنه ، وبيّن أنهم لا يصلحون لذلك ، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم . هكذا للزمخشري ومن تبعه . وقال ابن جزى : والمعنى : أنه تهديد وإقامة حجة عليهم ؛ لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا بأنه ليس لهم مانع ولا حافظ غيره تعالى - يعنى لما جربوه في أحوال محنتهم - ثم قال : وجاء قوله :
( بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ )
، بمعنى أنهم ، إذا سئلوا ذلك السؤال ، لم يجيبوا عنه ، لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا ، ولكنهم يعرضون عن ذكر اللّه . ه . أي : يعرضون عن أن يقولوا : كالئنا اللّه عتوا وعنادا . وهو معنى قوله :
( بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ )
، كأنه قال : لو سئلوا ، لم يجدوا جوابا ، إلا أن يقولوا :
هو اللّه ، لكنهم يعرضون عن ذكره ؛ مكابرة . قلت : وما قاله ابن جزى أحسن مما قاله الزمخشري ومن تبعه ، وأقرب .
ثم قال تعالى :
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا
، هذا انتقال من بيان جهلهم بحفظه تعالى ، أو إعراضهم عن ذكره ، إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم . والمعنى : ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تجاوز منعنا وحفظنا ، فهم يعولون عليها واثقون بحفظها ؟ وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة بما ذكر من المنع ، لا إلى نفس الصفة ،