تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
أي : وإن كان الشيء أو العمل مثقال حبة من خردل ،
أَتَيْنا بِها
: أحضرناها وجازينا عليها ، وأنث ضمير المثقال ؛ لإضافته إلى حبة ،
وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا ، أو عالمين حافظين ، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه ، قاله ابن عباس - رضى اللّه عنهما . الإشارة : كان صلى اللّه عليه وسلم ينذر الناس ويذكّرهم بالوحي التنزيلي ، وبقي خلفاؤه يذكرون بالوحي الإلهامى ، موافقا للتنزيلى ، ولا يسمع وعظهم ويحضر مجالسهم إلا من سبقت له سابقة العناية ، وأما من انتكبت عنه العناية تنكب مجالسهم ، وتصامم عن وعظهم وتذكيرهم ، ولا يسمع الصمّ الدعاء إذا ما ينذرون ، ولا يندمون إلا حين تنزل بهم الأهوال ، ولا ينفع الندم وقد جف القلم ، وذلك حين توضع موازين الأعمال ، فتثقل أعمال المخلصين ، وتخف أعمال المخلّصين ، ولا توضع الموازين إلا لأهل النفوس الموجودة ، وأما من غاب عن نفسه في شهود محبوبه ، لفنائه في شهوده ، وانطوائه في وجوده ، فلا ينصب له ميزان ؛ إذ لا يشهد لنفسه حسا ولا فعلا ولا تركا ، وإنما الفعل كله للواحد القهار . ويكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، جعلنا اللّه من خواصهم بمنّه وكرمه . آمين . ثم شرع في تفصيل ما أجمل في قوله :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
، إلى قوله :
وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
« 1 » ، فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 48 إلى 50 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( 49 ) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
، هذه الأوصاف كلها للتوراة ، فهي فرقان بين الحق والباطل ، وضياء يستضاء به ، ويتوصل به إلى سبيل النجاة ، وذكرا ، أي : شرفا ، أو وعظا وتذكيرا . وتوكيده بالقسم ؛ لإظهار كمال الاعتناء به ، أي : واللّه لقد آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل ، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية ، وذكرا ينتفع به الناس ، أو شرفا لمن عمل به ، وتخصيص المتقين بالذكر ؛ لأنهم المستضيئون بأنواره ، المغتنمون لمغانم آثاره ، أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكام ، ودخلت الواو في الصفات ، كقوله تعالى :
وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا
« 2 » ، وتقول : مررت بزيد الكريم والعالم والصالح .
هامش
( 1 ) الآيات : 7 - 9 . ( 2 ) من الآية 39 من سورة آل عمران .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 468 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان