تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
ثم وصف المتقين أو مدحهم بقوله :
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
، حال كونهم
بِالْغَيْبِ
أي : يخافون عذابه تعالى ، وهو غائب عنهم غير مشاهد لهم ، ففيه تعريض بالكفرة ، حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه . أو يخافون اللّه في الخلاء كما يخافونه بين الناس ، أو يخافونه بمجرد الإيمان به غير مشاهدين له ،
وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
أي : خائفون معتنون بالتأهب لها . وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر ، بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق ؛ للإيذان بكونها أعظم المخلوقات ، وللتنصيص على الاتصاف بضد ما اتصف به الكفرة الغافلون عنها ، وإيثار الجملة الاسمية ؛ للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه لهم .
وَهذا
أي : القرآن الكريم ، أشير إليه بهذا ؛ إيذانا بغاية وضوح أمره ،
ذِكْرٌ
يتذكر به من تذكر ، وصفه ببعض أوصاف التوراة ؛ لموافقته له في الإنزال ، ولما مرّ في صدر السورة من قوله :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ . . .
« 1 » إلخ ،
مُبارَكٌ
؛ كثير الخير ، غزير النفع ، يتبرك به على الدوام . قال القشيري : وصفه بالبركة هو إخبار عن ثباته ، من قولهم : برك البعير ، وبرك الطائر على الماء ، أي : داوم . وهذا الكتاب دائم ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو دال على كلامه القديم ، فلا انتهاء له ، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه . ه .
أَنْزَلْناهُ
على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو صفة ثانية للكتاب
أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
؛ استفهام توبيخى ، أي : جاحدون أنه منزل من عند اللّه ، والمعنى : أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة ، في الإنزال والإيحاء ، أنتم منكرون ؛ لكونه منزلا من عندنا ؛ فإن ذلك ، بعد ملاحظة التوراة ، مما لا مساغ له أصلا . وباللّه التوفيق . الإشارة : كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز ، قال تعالى
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ
« 2 » وقال :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
« 3 » ، وقال هنا :
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ
، فزاده البركة ؛ لعموم خيره ودوام نفعه ، وخصوصا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب : قال القشيري : والخشية بالغيب : إطراق السريرة في أول الحضور ، باستشعار الوجل من جريان سوء الأدب ، والحذر من أن يبدو من الغيب بغتات التقدير ، مما يوجب حجبة العبد . ه . ثم ذكر بقية المشاهير من الرسل ، وبدأ بإبراهيم ؛ لموافقة شريعتنا له ، ولكونه أصل الجلّ منهم ، فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 51 إلى 56 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ( 52 ) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ( 53 ) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 54 ) قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ ( 55 ) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 56 )
هامش
( 1 ) الآية : 2 . ( 2 ) من الآية الأولى من سورة الفرقان . ( 3 ) من الآية 174 من سورة النساء .