تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
قلت : من قرأ : « يسمع » بفتح الياء ، فالصّم : فاعل ، والدعاء : مفعول ، ومن قرأ بضم التاء ، رباعي ؛ فالصم : مفعول أول ، والدعاء : مفعول ثان . ومن قرأ : « مثقال » ؛ بضم اللام ، فكان تامة ، وبالنصب : خبر كان ، أي : وإن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
لهم يا محمد :
إِنَّما أُنْذِرُكُمْ
وأخوفكم من العذاب الذي تستعجلونه ، أو بالساعة الموعودة ،
بِالْوَحْيِ
القرآني الصادق ، الناطق بإتيانه ، وفظاعة شأنه ، أي : إنما شأني أن أنذركم بالإخبار به ، لا بإتيانه ؛ فإنه مخالف للحكمة الإلهية ؛ إذ الإيمان برهاني لا عيانى ، فإذا أنذرتهم فلا يسمع إنذارك إلا من سبقت له العناية ، دون من سبق له الشقاء ، ولذلك قال تعالى :
وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ
أي : الإنذار ، أو لا تسمع أنت الصمّ الدعاء
إِذا ما يُنْذَرُونَ
؛ يخوّفون ، واللام في
الصُّمُّ
للعهد ، وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين ، والأصل : ولا يسمعون إنذارك إذا ينذرون ، فوضع الظاهر موضع المضمر ؛ إشارة إلى تصاممهم وسد أسماعهم إذا أنذروا ، وتسجيلا عليهم بذلك . وفي التعبير بالدعاء ، دون الكلام في الإنذار ، إشارة إلى تناهى صممهم في حال الإنذار ، فإن الدعاء من شأنه أن يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئة دالة عليه ، فإذا لم يسمعوا ، مع هذه الحالة ، يكون صممهم في غاية لا غاية وراءها .
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ
أي : دفعة يسيرة
مِنْ عَذابِ رَبِّكَ
أي : كائنة منه ،
لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
، وهذا بيان لسرعة تأثيرهم من مجىء نفس العذاب ، إثر بيان عدم تأثرهم من مجرد الإخبار به ، لانهماكهم في الغفلة ، أي : واللّه لئن أصابهم أدنى شئ من هذا العذاب الذي ينذرون به ، لذلوا ، ودعوا بالويل على أنفسهم ، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصامموا وأعرضوا . وقد بولغ في الكلام ، حيث عبّر بالمس والنفح ؛ لأن النفح يدل على القلة ، فأصل النفح : هبوب رائحة الشيء ، يقال : نفحه بعطية ، إذا أعطاه شيئا يسيرا ، مع أن بناءها للمرة مؤكد لقلتها . ثم بيّن ما يقع عند إتيان ما أنذروه ، فقال :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ
أي : نقيم الموازين العادلة التي توزن بها الأعمال ، وهو جمع ميزان ، وهو ما يوزن به الشيء ليعرف كمّيته . وعن الحسن : « هو ميزان له كفتان ولسان » ، وإنما جمع الموازين ؛ لتعظيم شأنها ، والوزن لصحائف الأعمال في قول ، وقيل : وضع الميزان كناية عن تحقيق العدل ، والجزاء على حسب الأعمال . وإفراد القسط ؛ لأنه مصدر وصف به ؛ للمبالغة ، كأنها في نفسها قسط ، أو على حذف مضاف ، أي : ذوات القسط . وقوله :
لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
أي : لأهل يوم القيامة ، أي : لأجلهم ، أو في يوم القيامة ،
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
من الظلم ، ولا تنقص حقا من حقوقها ، بل يؤتى كل ذي حق حقه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .