تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
بأن يقال : أم تمنعهم آلهتهم . . إلخ ، من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود ، فضلا عن رتبة المنع ، مالا يخفى . ثم قال تعالى :
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ
أي : يجارون . والصاحب : المجير الوافي ، يعنى : أن الأصنام لا تجير نفسها ، ولا نجيرهم نحن ، أو لا يصحبهم نصر من جهتنا ، فهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم ، ولا يصحبون بالنصر والتأييد من جهتنا ، فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم ؟ .
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
، إضراب عما توهموه من منع آلهتهم وحفظها لهم ، أي : ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا ، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا ، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالا ، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم ، وظنوا أنهم دائمون على ذلك ، وهو أمل كاذب .
أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
أي : ألا ينظرون فيرون أنّا نأتى أرض الكفرة فننقصها من أطرافها ؛ بإدخالها في أيدي المسلمين ، فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا . وهو تمثيل وتصوير لما يخربه اللّه من ديارهم على أيدي المسلمين ، ويضيفها إلى دار الإسلام . وفي التعبير بنأتى : إشارة إلى أن اللّه تعالى يجريه على أيدي المسلمين ، وأن عساكرهم كانت تأتيهم لغزوهم غالبة عليهم ، ناقصة من أطراف أرضهم .
أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، أي : أفكفار مكة يغلبون بعد أن نقصنا من أطراف أرضهم ؟ أي : ليس كذلك ، بل يغلبهم الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه الكرام ، وقد تحقق ذلك وأنجز اللّه وعده ، واللّه غالب على أمره . الإشارة : قل من يكلؤ قلوبكم وأسراركم من الرحمن ، أن يذهب بما أودع فيها من المعارف وأنوار الإحسان ؟ فلا أحد يحفظها إلا من رحمها بما أودع فيها ، ولهذا كان العارفون لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير اللّه قرارهم ، لا يعتمدون على عمل ولا حال ، ولا على علم ولا مقال ، وفي الحكم : « إلهي ، حكمك النافذ ، ومشيئتك القاهرة ، لم يتركا لذي حال حالا ، ولا لذي مقال مقالا » . وقال أيضا : « إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها ، هدم اعتمادي عليها عدلك ، بل أقالنى منها فضلك » . وكثير من الناس غافلون عن هذا المعنى ، بل هم عن ذكر ربهم معرضون . قال الورتجبي : قوله تعالى :
( قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ . . . )
الآية ، أخبر عن كمال إحاطته بكل مخلوق ، وتنزيهه عن العجلة بمؤاخذتهم ، كأنه يقول : أنا بذاتى تعاليت ، أدفع بلطفي القديم عنكم قهري القديم ، ولولا فضلى السابق وعنايتى القديمة بالرحمة عليكم ، من يدفعه بالعلة الحدثانية ؟ وهذا من كمال لطفى عليكم ، وأنتم بعد معرضون عنى يا أهل الجفا ، وذلك قوله :
( بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ )
. ه بلفظه مع تصحيف في النسخة .