تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الملك والجبابرة يتولونه ويثنون عليه . ورزقناه أولادا طيبة ، وعمرا طويلا في الطاعة والمعرفة ، ومالا حلالا .
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
لحضرتنا ، المقربين عندنا ، اللذين لهم الدرجات العلا ؛ كما سأله ذلك بقوله :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
« 1 » .
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
يا محمد
أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
؛ دينه ومنهاجه في التوحيد ، والدعوة إليه بالرفق ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، كل واحد بحسب فهمه . وكان
حَنِيفاً
؛ مائلا عما سوى اللّه ،
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
، بل كان قدوة الموحدين . كرره ؛ ردا على اليهود والنصارى والمشركين في زعمهم أنهم على دينه مع إشراكهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من تمسك بطاعة اللّه ظاهرا ، أو مال عما سوى اللّه باطنا ، وشكر الله دائما ، ودعا الناس إلى هذا الأمر العظيم : كان وليا إبراهيميا ، محمديا ، خليلا حبيبا ، مقربا ، قد اجتباه الحق تعالى إلى حضرته ، وهداه إلى صراط مستقيم ، وعاش في الدنيا سعيدا ، ومات شهيدا ، وألحق بالصالحين . جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه . ولما ادّعت اليهود أنها على ملة إبراهيم دون غيرها ، رد الله عليهم بأن السبت ليس من ملته ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 124 ]

إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 124 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ
أي : فرض تعظيمه وإفراده للعبادة ،
عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
على نبيهم ، وهم : اليهود ؛ أمرهم موسى عليه السّلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة ، فأبوا وقالوا : نريد يوم السبت ؛ لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض ، فألزمهم الله السبت ، وشدّد عليهم فيه . وقيل : لما أمرهم بيوم الجمعة ، قبل بعضهم ، وأبى أكثرهم ، فاختلفوا فيه . وقيل : اختلافهم : هو أن منهم من حرّم الصيد فيه ، ومنهم من أحله ، فعاقبهم الله بالمسخ . والتقدير على هذا : إنما جعل وبال السبت - وهو المسخ ،
( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا )
؛ فأحلوا فيه الصيد تارة ، وحرموه أخرى ، أو أحله بعضهم ، وحرمه بعضهم ، وذكرهم هنا ؛ تهديدا للمشركين ، كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله ،
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
؛ فيجازى كل فريق بما يستحقه ، فيثيب المطيع ، ويعاقب العاصي . الإشارة : الاختلاف على الأكابر ؛ كالشيوخ والعلماء ، والتقدم بين أيديهم بالرأي والكلام ، من أقبح المساويء ، وسو الأدب يوجب لصاحبه العطب ؛ كالقطع عن اللّه ، والبعد من ساحة حضرته . قال بعضهم : إذا جالست الكبراء ؛ فدع ما تعلم لما لا تعلم ؛ لتفوز بالسر المكنون . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) من الآية 83 من سورة الشعراء .