تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
ثم أمر نبيه بالدعوة إلى اللّه ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 125 ]

ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 125 ) يقول الحق جل جلاله :
ادْعُ
يا محمد الناس
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
؛ إلى طريقه الموصل إليه ، وهو : الإسلام والإيمان ، والإحسان ؛ لمن قدر عليه ،
بِالْحِكْمَةِ
؛ بسياسة النبوة ، أو بالمقالة المحكمة ، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة ،
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
؛ مواعظ القرآن ورقائقه ، أو الخطابات المقنعة والعبر النافعة ،
وَجادِلْهُمْ
أي : جادل معاندتهم
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
؛ بالطرق التي هي أحسن طرق المجادلة ؛ من الرفق واللين ، وإيثار الوجه الأيسر ، والمقدمات التي هي أشهر ؛ فإن ذلك أنفع في تليين لهبهم ، وتبيين شغبهم ، فالأولى : لدعوة خواص الأمة الطالبين للحق . والثانية : لدعوة عوامهم ، والثالثة : لدعوة معاندهم . قال ابن جزى : الحكمة هي : الكلام الذي يظهر جوابه ، والموعظة : هي : الترغيب والترهيب . والجدال هو : الرد على الخصم . وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدل ، وهذه الآية تقتضى مهادنة نسخت بالسيف . وقيل : إن الدعاء بهذه الطريقة ، من التلطف والرفق ، غير منسوخ ، وإنما السيف لمن لا تنفعه هذه الموعظة من الكفار ، وأما العصاة فهي في حقهم محكمة إلى يوم القيامة باتفاق . ه .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
أي : إنما عليك البلاغ والدعوة . وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فليس من شأنك ، بل اللّه أعلم بالضالين والمهتدين ، وهو المجازى للجميع . الإشارة : الدعاء بالحكمة هو الدعاء بالهمة والحال ، يكون من أهل الحق والتحقيق ؛ لأهل الصدق والتصديق . والدعاء بالموعظة الحسنة هو الدعاء بالمقال من طريق الترغيب والتشويق ، يكون لأهل التردد في سلوك الطريق . والدعاء بالمجادلة الحسنة هو الدعاء بالوعظ والتذكير . وذكر بيان الطريق ، وفضيلة علم التحقيق ، يكون لأهل الإنكار ؛ إن وصلوا إلى أهل التحقيق . والحاصل : أن الدعاء بالحكمة : لأهل المحبة والتصديق . والدعاء بالموعظة : لأهل التردد في الطريق . والدعاء بالمجادلة : لأهل الإنكار ؛ حتى يعرفوا الحق من الباطل . وإن شئت قلت : الدعاء بالحكمة هو للعارفين الكبار ، والدعاء بالموعظة الحسنة هو لأهل الوعظ والتذكار من الصالحين الأبرار ، والدعاء بالمجادلة الحسنة هو للعلماء الأخيار . وقد تجتمع في واحد ؛ إن جمع بين الظاهر والباطن . واللّه تعالى أعلم .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 174 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان