تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ولما أمره بالدعوة العامة أمره بالصبر العام ؛ لأن الدعوة لا تنفك عن الأذى ، فيحتاج صاحبها إلى صبر كبير ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 126 إلى 128 ]

وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 ) يقول الحق جل جلاله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ
من آذاكم
فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
أي : إن صنع بكم صنيع سوء فافعلوا مثله ، ولا تزيدوا عليه . والعقوبة ، في الحقيقة ، إنما هي في الثانية . وسميت الأولى عقوبة ؛ لمشاكلة اللفظ . وقال الجمهور : إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب ، لما بقر المشركون بطنه يوم أحد ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لئن أظفرنى اللّه بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم » . فنزلت الآية « 1 » ، فكفّر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن يمينه ، وترك ما أراد من المثلة . ولا خلاف أن المثلة حرام ، وقد وردت أحاديث بذلك . ومقتضى هذا : أن الآية مدنية . ويحتمل أن تكون الآية عامة ، ويكون ذكرهم حمزة على وجه المثال . وتكون ، على هذا ، مكية كسائر السورة . واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال ، ثم ائتمن عليه ، هل يجوز خيانته ، في القدر الذي ظلمه فيه ؟ فأجاز ذلك قوم ؛ لظاهر الآية ، ومنعه مالك ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أدّ الأمانة لمن ائتمنك ، ولا تخن من خانك » « 2 » . قاله ابن جزى .
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
، ولم تعاقبوا من أساء إليكم ،
لَهُوَ
أي : الصبر
خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
؛ فإن العقوبة مباحة ، والصبر أفضل من الانتقام ، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم ، أو يريد المخاطبين ، كأنه قال : فهو خير لكم . ثم صرح بالأمر لرسوله به ؛ لأنه أولى الناس به ؛ لزيادة علمه باللّه ، فقال :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
؛ إلا بتوفيقه وتثبيته . روى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « أما أنا فأصبر كما أمرت ، فماذا تصنعون ؟ » قالوا : نصبر كما ندبنا .
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
؛ على الكافرين ؛ حيث لم يؤمنوا ؛ حرصا عليهم . أو على المؤمنين ؛ لأجل ما فعل بهم .
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ
أي : لا يضيق صدرك بمكرهم ، ولا تهتم بشأنهم ، فأنا ناصرك عليهم . والضيق - بفتح الضاد مخفّفا - من ضيّق ؛ كميت وميّت . وقرئ بالكسر ، وهو مصدر . ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين ، معا ، لضاق .
هامش
( 1 ) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ( ص 291 ) عن ابن عباس . وأخرجه البزار ( كشف الأستار ، 2 / 327 ) في سياق أطول ، عن أبي هريرة ، وراجع طبقات ابن سعد ( 3 / 12 - 13 ) وتفسير ابن كثير ( 2 / 592 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود في ( البيوع والإجارات ، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده ) ، والترمذي في ( البيوع ، ح 1264 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه .