تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الإشارة : كل من أساء الأدب ، ثم تاب وأناب ، التحق بالأحباب . قال بعضهم : « كل سوء أدب يثمر أدبا فهو أدب » . والتوبة تتبع المقامات ؛ فتوبة العوام : من الهفوات ، وتوبة الخواص : من الغفلات ، وتوبه خواص الخواص : من الفترات عن شهود الحضرات . وباللّه التوفيق . ولمّا رغّب في الشكر ذكر أنه من ملة خليله إبراهيم عليه السّلام ، ودين حبيبه - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - ؛ تحريضا عليه ، فقال تعالى :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 120 إلى 123 ]

إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 123 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
أي : إماما قدوة ؛ قال تعالى :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
« 1 » ، قال ابن مسعود : « الأمة : معلّم الناس الخير » ، أو أمة وحده ، اجتمع فيه ما افترق في غيره ، فكان وحده أمة من الأمم ؛ لكماله واستجماعه لخصال الكمال التي لا تكاد تجتمع إلا في أشخاص كثيرة ، كقول الشاعر :
وليس على اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد « 2 »
وهو رئيس الموحدين ، وقدوة المحققين ، جادل فرق المشركين ، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة . ولذلك عقّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين . أو : لأنه كان وحده مؤمنا وسائر الناس كفارا . قاله البيضاوي . وكان
قانِتاً لِلَّهِ
؛ مطيعا قائما بأوامره ،
حَنِيفاً
؛ مائلا عن الباطل ،
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
، وأنتم يا معشر قريش تزعمون أنكم على دينه ، وأنتم مشركون . وكان
شاكِراً لِأَنْعُمِهِ
، لا يخل بشكر قليل منها ولا كثير . ولذلك ذكرها بلفظ جمع القلة ،
اجْتَباهُ
: اختاره للنبوة والرسالة والخلة .
وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
؛ التي توصل إلى حضرة النعيم ، ودعا إليها ،
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
؛ بأن حببناه إلى كافة الخلق ، ورزقناه الثناء الحسن في الملل كلها ، حتى إنّ أرباب
هامش
( 1 ) من الآية 124 من سورة البقرة . ( 2 ) البيت للحسن بن هانئ ، هو لمعروف بأبى نواس .