تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
والمائدة « 1 » . قال البيضاوي : أمرهم بتناول ما أحل لهم ، وعدد عليهم محرماته ، ليعلم أن ما عداها حل لهم . ثم أكد ذلك بالنهى عن التحريم والتحليل بأهوائهم بقوله :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
لما لم يحله اللّه ولم يحرمه ، كما قالوا :
ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا . . .
« 2 » الآية . ه . تقولون ذلك ؛
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
بنسبة ذلك إليه .
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
أبدا ؛ لأنهم تعجلوا فلاح الدنيا بتحصيل أهوائهم ، فحرموا فلاح الآخرة ، ولذلك قال :
مَتاعٌ قَلِيلٌ
أي : لهم تمتع في الدنيا قليل ، يفنى ويزول .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الآخرة .
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ
في سورة الأنعام بقوله :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ . .
« 3 » الآية ،
وَما ظَلَمْناهُمْ
بالتحريم ،
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
؛ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه . ذكر الحق تعالى ما حرم على المسلمين ، وما حرم على اليهود ؛ ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على اللّه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يقول الحق - جل جلاله - ، لمن بقي على العهد ؛ من شكر النعم ؛ بالإقرار بفضل الواسطة :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
من قوت اليقين وفواكه العلوم ،
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
إن كنتم تخصونه بالعبادة وإفراد الوجهة . إنما حرّم عليكم ما يشغلكم عنه ، كجيفة الدنيا والتهارج عليها ، ونجاسة الغفلة ، وما يورث القساوة والبلادة ، وقلة الغيرة على الحق ، وما قبض من غير يد اللّه ، أو ما قصد به غير وجه اللّه ، إلا وقت الضرورة فإنها تبيح المحذور . واللّه تعالى أعلم . ثم حضّ على التوبة لمن وقع في شئ من هذا ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 119 ]

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 ) يقول الحق جل جلاله :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ
؛ كالشرك ، والافتراء على اللّه ، وغير ذلك ،
بِجَهالَةٍ
أي : ملتبسين في حال العمل بجهالة ، كالجهل باللّه وبعقابه ، وعدم التدبر في عواقبه ؛ لغلبة الشهوة عليه ،
ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا
عملهم ،
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها
أي : التوبة ، أو الجهالة ،
لَغَفُورٌ
لذلك السوء ،
رَحِيمٌ
بهم ؛ يثيبهم على الإنابة .
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآية 173 من سورة البقرة ، والآية 3 من سورة المائدة . ( 2 ) من الآية 139 من سورة الأنعام . ( 3 ) من الآية 136 من سورة الأنعام .