تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
الإشارة : ضرب اللّه مثلا ؛ قلبا كان آمنا مطمئنا باللّه ، تأتيه أرزاق العلوم والمواهب من كل مكان ، فكفر نعمة الشيخ ، وخرج من يده قبل كماله ، فأذاقه اللّه لباس الفقر بعد الغنى باللّه ، والخوف من الخلق ، وفوات الرزق ، بعد اليقين ؛ بسبب ما صنع من سوء الأدب وإنكار الواسطة ، ولو خرج إلى من هو أعلى منه ؛ لأن من بان فضله عليك وجبت خدمته عليك ، ومن رزق من باب لزمه . وهذا أمر مجرب عند أهل الذوق بالعيان ، وليس الخبر كالعيان ، هذا إن كان أهلا للتربية ، مأذونا له فيها ، جامعا بين الحقيقة والشريعة ، وإلا انتقل عنه إلى من هو أهل لها . وباللّه التوفيق . ثم أمر بالشكر ، الذي هو قيد النعم ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 114 إلى 118 ]

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 115 ) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) قلت :
الْكَذِبَ
: مفعول بتقولوا ، و
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
: بدل منه ، أي : لا تقولوا الكذب ، وهو قولكم :
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
، و
لِما
في قوله :
لِما تَصِفُ
؛ موصولة ، ويجوز أن ينتصب الكذب ب
تَصِفُ
، ويكون « ما » مصدرية . ويكون قوله :
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
معمولا لتقولوا ، أي : لا تقولوا : هذا كذا وهذا كذا ؛ لأجل وصف ألسنتكم الكذب . يقول الحق جل جلاله :
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
، أمرهم بأكل ما أحل لهم ، وشكر ما أنعم عليهم ، بعد ما زجرهم عن الكفر ، وهددهم عليه ، بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم ؛ صدا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة . قاله البيضاوي .
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
؛ لتدوم لكم
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
فلا تنسبوا نعمه إلى غيره ، كشفاعة الأصنام وغيرها .
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، تقدم تفسيرها في البقرة