تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
الكفر والمعاصي ،
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
في أعمالهم ، فهو معهم بالولاية والنصر والرعاية والحفظ . أو مع الذين اتقوا اللّه بتعظيم أمره . والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه . أو مع الذين اتقوا ما يقطعهم عن الله ، والذين هم محسنون بشهود اللّه كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » . فهو معهم بالمحبة والوداد ؛ « فإذا أحببته كنت له » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من شأن الصوفية : الأخذ بالعزائم ، والتمسك بالأحسن في كل شئ ، ممتثلين لقوله تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
« 1 » . ولذلك قالوا : الصوفي : دمه هدر ، وماله مباح ؛ لأنه لا ينتصر لنفسه ، بل يدفع بالتي هي أحسن السيئة . فالصبر دأبهم ، والرضى والتسليم خلقهم . وحقيقة الصبر هي : حبس القلب على حكم الرب ، من غير جزع ولا شكوى . ومواطنه أربعة : الطاعة ، والمعصية ، والنعمة ، والبلية . فالصبر على الطاعة : بالمبادرة إليها ، وعن المعصية : بتركها ، وعلى النعمة : بشكرها ، وأداء حق اللّه فيها ، وعلى البلية : بالرضى وعدم الشكوى بها . وأقسام الصبر ستة : صبر في اللّه ، وصبر للّه ، وصبر مع اللّه ، وصبر باللّه ، وصبر على اللّه ، وصبر عن اللّه . أما الصبر في اللّه : فهو الصبر في طلب الوصول إلى اللّه ، بارتكاب مشاق المجاهدات والرياضات . وهو صبر الطالبين والسائرين . وأما الصبر للّه : فهو الصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات ونزول البليات ، يكون ذلك ابتغاء مرضاة اللّه ، لا لطلب أجر ولا نيل حظ . وهو صبر المخلصين . وأما الصبر مع اللّه : فهو الصبر على حضور القلب مع اللّه ، على سبيل الدوام ؛ مراقبة أو مشاهدة . فالأول : صبر المحبين ، والثاني : صبر المحبوبين . وأما الصبر باللّه : فهو الصبر على ما ينزل به من المقادير ، لكنه باللّه لا بنفسه ، وهو صبر أهل الفناء من العارفين المجذوبين السالكين . وأما الصبر على اللّه : فهو الصبر على كتمان أسرار الربوبية عن غير أهلها ، أو الصبر على دوام شهود اللّه . وأما الصبر عن اللّه : فهو الصبر على الوقوف بالباب عند جفاء الأحباب ، فإذا كان العبد في مقام القرب واجدا لحلاوة الأنس ، مشاهدا لأسرار المعاني ، ثم فقد ذلك من قلبه ، وأحس بالبعد والطرد - والعياذ باللّه - فليصبر ، وليلزم الباب حتى يمن الكريم الوهاب ، ولا يتزلزل ، ولا يتضعضع ، ولا يبرح عن مكانه ، مبتهلا ، داعيا إلى اللّه ، راجيا كرم مولاه ، فإذا استعمل هذا فقد استعمل الصبر ؛ قياما بأدب العبودية . وهو أشد الصبر وأصعبه ، لا يطيقه إلا العارفون المتمكنون ، الذين كملت عبوديتهم ، فكانوا عبيدا للّه في جميع الحالات ، قرّبهم أو أبعدهم . روى أن رجلا دخل على الشبلي رضي اللّه عنه ، فقال : أي صبر أشد على الصابر ؟ فقال له الشبلي : الصبر في اللّه ، قال :
هامش
( 1 ) من الآية 18 من سورة الزمر .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 176 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان