تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
السبعين ألفا ، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، وهم المتوكلون . أو تقول : هي في عداد من يلقى اللّه باللّه ، فليس لها شئ سوى اللّه ، فحجته ، ايوم تجادل النفوس ، هو اللّه . كما قال الشاعر :
وجهك المحمود حجتنا * يوم يأتي الناس بالحجج
وباللّه التوفيق . ثم ضرب مثلا لمن كفر النعم ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 112 إلى 113 ]

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) قلت :
قَرْيَةً
: بدل من :
مَثَلًا
. يقول الحق جل جلاله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
، ثم فسره بقوله :
قَرْيَةً
: مكة ، وقيل : غيرها .
كانَتْ آمِنَةً
من الغارات ، لا تهاج ،
مُطْمَئِنَّةً
لا تحتاج إلى الانتقال عند الضيق أو الخوف ،
يَأْتِيها رِزْقُها
: أقواتها
رَغَداً
: واسعا
مِنْ كُلِّ مَكانٍ
من نواحيها ،
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
؛ بطرت بها ، أو بنبي اللّه ، سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ،
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
، استعار الذوق لإدراك أثر الضرر ، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف ، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة ، وأما اللباس فقد يستعيرونه لما يشتمل على الشيء ويستره ؛ يقول الشاعر :
غمر الرّداء إذا تبسّم ؛ ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال
فقد استعار الرداء للمعروف ، فإنه يصون عرض صاحبه صون الرداء ؛ لما يلقى عليه ، والمعنى : أنهم لما كفروا النعم أنزل اللّه بهم النقم ، فأحاط بهم الخوف والجوع إحاطة الثوب بمن يستتر به ، فإن كانت مكة ، فالخوف من سرايا النبي صلى اللّه عليه وسلم وغاراته عليهم ، وإن كان غيرها ، فمن كل عدو ، وذلك بسبب ما كانوا يصنعون من الكفر والتكذيب .
وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ
، يعنى : محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، والضمير لأهل مكة . عاد إلى ذكرهم بعد ذكر مثلهم .
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ
: الجوع والقحط ، ووقعه بدر ،
وَهُمْ ظالِمُونَ
؛ ملتبسون بالظلم ، غير تائبين منه . واللّه تعالى أعلم .