تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
ثم رغب في التوبة ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 110 ]

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) قلت :
إِنَّ
الثانية : تأكيد ، والخبر للأول . يقول الحق جل جلاله :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا
من دار الكفر إلى المدينة
مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
أي : عذبوا على الإسلام ؛ كعمار بن ياسر ، وأشباهه ؛ من المعذبين على الإسلام . هذا على قراءة الضم . وقرأ ابن عامر :
« فُتِنُوا »
؛ بفتح التاء ، أي : فتنوا المسلمين وعذبوهم ، فتكون فيمن عذب المسلمين ، ثم أسلم وهاجر وجاهد ، كعامر ابن الحضرمي ، أكره مولاه جبرا حتى ارتد ، ثم أسلما وهاجرا ثم جاهدا ، وصبرا على الجهاد وما أصابهم من المشاق ،
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها
؛ من بعد الهجرة والجهاد والصبر ،
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
أي : لغفور لما مضى قبل ، رحيم ؛ يجازيهم على ما صنعوا بعد . الإشارة : من نزلت به قهرية ، أو حصلت له فترة ، حتى رجع عن طريق القوم ، ثم تاب وهاجر من موطن حظوظه وهواه ، وجاهد نفسه في ترك شواغل دنياه ، واستعمل السير إلى من كان يدله على الله ؛
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
؛ يغفر له ما مضى من فترته ، ويلحقه بأصحابه وأبناء جنسه . وبالله التوفيق . ثم ذكر يوم الجزاء لمن صبر وهاجر ، أو الخسران لمن جحد وكفر ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 111 ]

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) قلت :
يَوْمَ
: منصوب باذكر ، أو بغفور رحيم . يقول الحق جل جلاله : واذكر
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
؛ عن ذاتها ، وتسعى في خلاصها ، لا يهمها شأن غيرها ؛
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
« 1 » ،
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
جزاء
ما عَمِلَتْ
على التمام ،
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
: لا ينقصون من أجورهم مثقال ذرة . الإشارة : النفس التي تجادل عن نفسها ، وتوفى ما عملت من خير أو شر ، إنما هي النفس الأمارة أو اللوامة . وأما النفس المطمئنة باللّه ، الفانية في شهود ذات اللّه ، لا ترى وجودا مع اللّه ؛ فلا يتوجه عليها عتاب ، ولا يترتب عليها حساب ؛ إذ لم يبق لها فعل تحاسب عليه . وعلى تقدير وجوده فقد حاسبت قبل أن تحاسب ، بل هي في عداد
هامش
( 1 ) الآيات : 34 - 36 من سورة عبس .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 168 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان