تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ثم علل نزول العذاب بهم ، فقال :
ذلِكَ
الوعيد
بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
أي : بسبب أنهم آثروها عليها ،
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
، الذين سبق لهم الشقاء ، فلا يهديهم إلى ما يوجب ثبات الإيمان في قلوبهم ، ولا يعصمهم من الزيغ .
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
؛ فغابت عن إدراك الحق والتدبر فيه ،
وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
الكاملون في الغفلة ، حتى أغفلتهم الحالة الزائفة عن التأمل في العواقب .
لا جَرَمَ
: لا شك
أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ
؛ حيث ضيعوا أعمارهم ، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد . قاله البيضاوي . الإشارة : من سبق له البعاد لا ينفعه الكد والاجتهاد ، ومن سبقت له العناية لا تضره الجناية . ففي التحقيق : ماثمّ إلا سابقة التوفيق . فمن كان في عداد المريدين السالكين ، ثم أكره على الرجوع إلى طريق الغافلين ،
مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
، أي : بالتصديق بطريق الخصوص ، وهو مصمم على الرجوع إليها ؛ فلا بأس عليه أن ينطق بلسانه ، ما يرى أنه رجع إليهم . فإذا وجد فسحة فرّ بدينه . وكذلك إذا أخذه ضعف أو فشل وقت القهرية ، ثم أنهضته العناية ، ففرّ إلى اللّه ، التحق بأولياء اللّه ، وأما من شرح صدره بالرجوع عن طريق القوم ، وطال مقامه مع العوام ، فلا يفلح أبدا في طريق الخصوص ، والتحق بأقبح العوام ، إلا إن بقي في قلبه شئ من محبة الشيوخ والفقراء ، فلعله يحشر معهم ، ودرجته مع العوام . قال القشيري : إذا علم اللّه صدق عبده بقلبه ، وإخلاصه في عقده ، ثم لحقته ضرورة في حاله ، خفّف عنه حكمه ، ورفع عنه عناءه ، فإذا تلفظ بكلمة الكفر ؛ مكرها ، وهو بالتوحيد محقق ، عذر فيما بينه وبين ربه . وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم ، وتجردوا لسلوك طريق اللّه ، ثم اعترضت لهم أسباب ، فاتفقت لهم أعذار ، فنفذ ما يوجبه الحال ، وكان لهم ببعض الأسباب اشتغال ، أو إلى شئ من العلوم رجوع ، لم يقدح ذلك في حجة إرادتهم ، ولا يعدّ ذلك منهم شكا وفسخا لعهودهم ، ولا تنتفى عنهم سمة الفيئة إلى اللّه . ه . قلت : هذا إن بقوا في صحبة الشيوخ ، ملازمين لهم ، أو واصلين إليهم ، وأما إن تركوا الصحبة ، أو الوصول ، فلا شك في رجوعهم إلى العمومية . ثم قال في قوله :
وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً
: من رجع باختياره ، ووضع قدما في غير طريق اللّه ، بحكم هواه ، فقد نقض عهد إرادته للّه ، وفسخ عقد قصده إلى اللّه ، وهو مستوجب الحجبة ، إلى أن تتداركه الرحمة . ه . قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي ، ما نصه : وفي مكاتبة لشيخنا العارف أبى المحاسن يوسف بن محمد : فإن اختلفت الأشكال ، وتراكمت الفتن والأهوال ، وتصدعت الأحوال ، ربما ظهر على العارف وصف لم يكن معهودا ، وأمر لم يكن بالذات مقصودا ، فيكون معه قصور في جانب الحق ، لا في جانب الحقيقة ، فلا يضر ، إن رجع في ذلك لمولاه ؛ فرارا ، وإلى ربه ؛ اضطرارا .
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
. ه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 167 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان