عرفته ولذا ترك العطف وهذا أبلغ من القول ما له صاحبة ولا ولدا إذ المعنى ما صنع له صاحبة ولا ولد ولظهوره حذف لفظة له وفيه رد للمشركين والكافرين .
قوله : ( وقرىء جدا بالتمييز وجدا بالكسر أي صدق ربوبيته ) جدا بفتح الجيم على أنه تمييز من فاعل تعالى أي من نسبة قوله بالكسر وبالتنوين أيضا كما ذكره المعربون ومراد المصنف أيضا فقوله صدق ربوبيته بيان حاصل المعنى لا بناء على إضافة الجد إلى ربنا بل هو منصوب منون وربنا مرفوع .
قوله : ( كأنهم لما سمعوا من القرآن ما نبههم على خطأ ما اعتقدوه من الشرك واتخاذ الصاحبة والولد ) لما سمعوا أي استمعوا القرآن الخ وفيه إشارة إلى أن هؤلاء الجن كانوا يهودا كما صرح به في سورة الأحقاف قوله :
آمَنَّا بِهِ
[ الجن : 13 ] الخ تفريع على استماع القرآن وكذا نفي الشريك والصاحبة والولد تفريع عليه أيضا فيدل على ما ذكره وإنما قال كأنهم لعدم الجزم بذلك أو لأنه من عادة العظماء الترجي ونحوه في مقام الجزم .
قوله تعالى :
[ سورة الجن ( 72 ) : آية 4 ]
وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً ( 4 )
قوله : ( إبليس أو مردة الجن ) إبليس لأنه من الجن كما قال تعالى :
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
[ الكهف : 50 ] الآية مردة الجن أي غير إبليس جمع مارد وهو المتجرد عن الخير فحينئذ إفراد سفيهنا لإرادة الجنس أي سفهاؤنا .
قوله : ( قولا ذا شطط وهو البعد ومجاوزة الحد أو هو شطط لفرط ما اشط فيه وهو نسبة الصاحبة والولد إلى اللّه تعالى ) قولا ذا شطط أي أنه مصدر وصف للقول المقدر بتقدير المضاف ولو لم يقدر لكان أبلغ ولذا قال أو هو شطط الخ قوله ما أشط فيه أي أبعد جملة فعلية خبرا عن ضمير الشأن وقوله :
مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً
[ الجن : 3 ] بيان لمضمون تلك الجملة هكذا قالوا والأنسب للبلاغة أن يكون الضمير في أنه راجعا إلى ربنا المذكور وقوله :
مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً
[ الجن : 3 ] الآية خبر أن وجملة
تَعالى جَدُّ رَبِّنا
[ الجن : 3 ] اعتراضا واقعا بين اسم إن وخبرها تنزيها له تعالى عن الاتصاف بما يتصف به مخلوقه من اتخاذ الصاحبة والولد والمعنى وأنه
مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً
تَعالى جَدُّ رَبِّنا
[ الجن : 3 ] عن ذلك .
قوله : وقرىء جدا بالتمييز فعلى هذا يكون الضمير في أنه للشأن أيضا وجملة
تَعالى جَدُّ رَبِّنا
[ الجن : 3 ] خبرا عنه وقوله :
مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً
[ الجن : 3 ] خبرا آخر وبيانا لجملة
تَعالى جَدُّ رَبِّنا
[ الجن : 3 ] قال ابن جني قرأها عكرمة أي تعالى ربنا جدا ثم قدم المميز نحو قولك حسن وجها زيد قوله وجد بالكسر أي صدق ربوبيته ونحوه جد العالم أي ليس هزل يعني أن علمه غير مشوب بشيء من الجهل كقوله :
أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
[ البقرة : 67 ] جوابا لقولهم :
أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً
[ البقرة : 67 ] فمعنى قوله :
جَدُّ رَبِّنا
[ الجن : 3 ] في هذا المقام معنى قوله لو أردنا أن نتخذ ولدا لاتخذناه من لدنا إذا فسر لهوا بولد ولذا قال صاحب الكشاف في تفسير
جَدُّ رَبِّنا
[ الجن : 3 ] بالكسر أي صدق ربوبيته وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد .