من اللّه تعالى قوله توبيخ ناظر إلى الإنكار وأما التبكيت أي إسكاتهم عن المعذرة فهو مفهوم من الإنكار فلا جمع بين المعنيين المجازيين .
قوله تعالى :
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 9 ]
قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 )
( قالوا بلى ) جواب سؤال مقدر وإنما قالوا بلى مع أن الكلام مثبت لكون الاستفهام لإنكار النفي لما قال أبو حيان من أن النفي إذا دخل عليه الاستفهام وإن كان تقريرا في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب كقوله تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] قولهم :
قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ
[ الملك : 9 ] تصريح بما علم من قولهم بلى لمزيد التأسف ولتمهيده قولهم :
فَكَذَّبْنا
[ الملك : 9 ] الخ .
قوله : ( أي فكذبنا الرسل ) بيان المفعول المحذوف ولم يقدر نذيرا للإشارة إلى أن المراد به الرسل بالمعنى الأعم وهم يعلمون الأحكام والحكمة ويبشرهم وينذرهم وتخصيص الإنذار لأن المقام يقتضي ذكر الإنذار عن العذاب المعذبين به وذكر الإرسال لأن إنكارهم الإنزال يستلزم إنكار الإرسال كعكسه .
قوله : ( وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال والإرسال رأسا ) أي بالكلية هذا مستفاد من شيء لأنه نكرة في سياق النفي فيفيد العموم وزيادة من نص في الاستغراق .
قوله : ( وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال ) حيث جعلنا الضلال ظرفا لهم مجازا ليفيد أنه محيط بهم كإحاطة الظرف بالمظروف مع قصرهم على كونهم في الضلال وفيه اعتراف بأن ما نسبوهم حال أنفسهم حيث أحاط الضلال بهم من القرن إلى القدم فلم يتخلصوا عن الضلال البعيد حتى قضوا نحبهم .
قوله : ( فالنذير إما بمعنى الجمع ) تفريع على قوله : فكذبنا الرسل لكن الأولى فالنذير بمعنى الجمع ويحتمل أن يكون مصدرا الخ .
قوله : فالنذير إما بمعنى الجمع لما فسر
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ
[ الملك : 9 ] على أنه من مقول قول الكفرة لزمه أن يكون المراد بالنذير الجمع لأن أنتم في قولهم هذا خطاب للرسل الذين أنذروهم في دار التكليف حكوا خطابهم هذا عند سؤال الخزنة بألم يتأكم نذير فورد عليه أنه ينبغي حينئذ أن يجيء نذير على صيغة الجمع ويقال ألم يأتكم نذر بلى قد جاءنا نذر ليطابق أنتم فأول رحمه اللّه بوجوه الأول أنه بمعنى الجمع وترك المطابقة لأنه فعيل فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يراعي فيه المشابهة بما هو بمعنى مفعول فيترك مطابقته لموصوفه كما في قوله عز وجل :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] والثاني أن يكون مصدرا والمصدر يستوي فيه الإفراد والجمع لأنه موضوع للحقيقة من حيث هي ولا كثرة في الحقيقة وإنما هي في إفرادها والثالث أن يكون بتقدير مضاف أي أهل إنذار والرابع أن ينعت به للمبالغة مثل رجل عدل وقوله أو الواحد عطف على الجمع في قوله إما بمعنى الجمع فحينئذ يجب تأويل مجيء الخطاب في أنتم على الجمع بأن يكون الخطاب له ولأمثاله على التغليب أو يقام تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل