والمناقشة في مثل هذا ليس بمستحسن على أن التكرار لمزيد التقرير من شعب البلاغة والمراد بهذا دفع إيهام اختصاص العذاب بهم لكن هذا ضعيف إذ لا حصر في الكلام وإن العذاب في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا مختص بهم فلا ضير في إيهام اختصاص هذا العذاب بهم لو سلم الاختصاص فالمراد تفصيل أحوال الكفار والأبرار في الآخرة وقدرته على إثابة المطيعين وعقاب العاصين أثر ذكر أنه العزيز الغفور الدال على أنه قادر بالقدرة الذاتية الكاملة وعالم بالعلم الشامل قوله الذي خلق الخ من تتمة قوله :
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
[ الملك : 2 ] ( وقرىء بالنصب على أن للذين عطف على لهم وعذاب على عذاب السعير ) .
قوله تعالى :
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 7 ]
إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ( 7 )
قوله : ( إذا ألقوا ) الإلقاء الطرح أي إذا طرحوا في جهنم مثل طرح الحطب في النار العظيمة فإنهم وقودها .
قوله : ( لها شهيقا صوتا كصوت الحمير ) لها صلة شهيقا لا سمعوا قدم لأن الأهم كون الشهيق لها أي لجهنم كما هو الظاهر ولا حاجة إلى تقدير المضاف أي لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها أو من أنفسهم لقوله تعالى :
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
[ هود : 106 ] لأن جعل الصوت لها لا استحالة فيه غاية الأمر أن صوتهم شبه بالشهيق في التنفر عنه وكونه منكرا فذكر اسم المشبه به وأريد المشبه قوله صوتا كصوت الحمير إشارة إليه نعم إن صاحب الكشاف تعرض الوجهين الأولين والظاهر أن المصنف لم يرض به لا لعدم صحتهما بل لعدم الاحتياج إليهما فهو استعارة مصرحة لحسيس جهنم فلا إشكال بأن الشهيق لأهلها بعد القرار في النار وبعد ما قيل لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون : 108 ] ولا حاجة في دفعه إلى أن يقال بأن ما ذكر يدل على انحصار حالهم بعد ذلك في الزفير والشهيق لا على عدم وقوعهما منهم قبل ذلك الزفير إخراج النفس والشهيق رده واستعمالهما في أول النهيق وآخره كذا قاله المصنف في سورة هود فالزفير معتبر أيضا لما عرفته من أنهما لا ينفكان ويرد على الأول أن من طرح في النار مقدما يلزم أن لا يسمع شهيقا في حال الدخول وعلى الثاني أنه لا معنى لسمع الشهيق من أنفسهم لأن كلا منهم إذا سمع الشهيق من أنفسهم يلزم أن يسمع من غيرهم وبالعكس فالتقابل يحتاج إلى التمحل .
قوله : وقرىء بالنصب أي قرىء
عَذابُ جَهَنَّمَ
[ الملك : 6 ] عطفا على مفعول
أَعْتَدْنا
[ الملك : 5 ] وهو عذاب السعير فالمعنى واعتدنا للذين كفروا بربهم عذاب جهنم على منوال قولك هيأت لزيد قيدا ولعمرو أسرا أقول موضع قوله وقرىء بالنصب ما قيل :
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
[ الملك : 6 ] قوله فلعله سهو من الناسخين .