تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
قوله : ( تغلى بهم غليان المرجل بما فيه ) نبه به على أن الكلام محمول على التشبيه أو المراد بذكر التشبيه توضيح ذلك لا الإشارة إلى الاستعارة . قوله تعالى :

[ سورة الملك ( 67 ) : آية 8 ]

تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قوله : ( تتفرق غضبا عليهم ) معنى تميز هنا مجاز إذا التفرق لا يستلزم للتميز قوله غضبا عليهم أشار إلى أن الغيظ بمعنى الغضب الكامن للعاجز عن الانتقام كما في الصحاح وذكر غضبا بلا قيد الكامن يشعر بأن الغيظ هو الغضب أو أسوءه . قوله : ( وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم ) يعني أنه استعارة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من أمور عديدة وهي النار وشدة الاشتعال بها وحصول الألم الشديد بها بهيئة أخرى مأخوذة من أشياء كثيرة المغتاظ واغتياظه وكمال حرصه في إيصال الألم الفادح إلى من غضب عليه بحيث يكاد المغتاظ يتفرق من كمال غضبه وجه الشبه قوة التأثير لكن في المشبه أقوى وفي المشبه به أعرف والأعرفية تكفي في كونه مشبها به وأما كونه أقوى فليس بشرط والتمثيل كالنص في الاستعارة التمثيلية وقيل التمثيل في كلامه بمعنى التشبيه فالاستعارة تصريحية لأن اشتعال النار بهم شبه باغتياظ المغتاظ ويجوز أن يكون المصرحة هنا تخييلية نابعة للمكنية بأن شبه جهنم في شدة غليانها وقوة تأثيرها في أهلها بإنسان شديد الغضب على غيره مبالغ في إيصال الضرر فتوهم صورة كصورة الحالة المحققة الوجدانية وهي الغضب الباعث على ذلك واستعير لتلك الحالة المتوهمة الغيظ كما في شرح المفتاح الشريفي والكل يخالف لما يتبادر من كلام المصنف على أن ما نقل عن السيد قدس سره مسلك صاحب المفتاح فهو قدس سره بين المقام هناك على مذاق السكاكي فلا يناسب حل كلام القاضي بذلك المسلك المردود والقول بثبوت الغيظ الحقيقي بأن يخلق اللّه تعالى فيها إدراكا جواب آخر لا يوافق كلام المصنف قوله :
تَكادُ
[ الملك : 8 ] يقرب الغلول وهو المبالغة التي هي غير ممكن عقلا ولإعادة إلى الصحة وهذا لا ينافي الاستعارة ألا يرى أنه لو قيل تكاد تميز من الاشتعال وقوته لكان استعمال تكاد في بابه إذ به يصح إسناد التفرق إليها حينئذ . قوله : تتفرق غضبا عليهم قال الراغب الميز والتمييز فصل بين المتشابهات يقال مازه ميزا ويميز تمييزا والتمييز يقال تارة للفصل وتارة للقوة التي في الدماغ وبها يستنبط المعاني يقال فلان لا تمييز له ويقال انماز وامتاز قال اللّه تعالى :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
[ يس : 59 ] وتميز كذا انفصل وانقطع قال تعالى :
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
[ الملك : 8 ] . قوله : وهو تمثيل لشدة اشتغالها بهم معنى الشدة مستفاد من لفظ الغيظ قال الراغب الغيظ أشد الغضب وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه قال تعالى :
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
[ آل عمران : 119 ] فإذا وصف اللّه تعالى به فإنما يراد به الانتقام وكذلك جاء اتقوا الغضب فإنه جمرة في قلب ابن آدم ألم تر انتفاخ أوداجه وجمرة عينيه .