وأصله أخذ الخيار والخير وهذا القيد لم يذكر في أكثر المواضع لكنه مراد لأن أجل النعم ما اختاره المتنعم كما أن ألذ الآلاء وأشرفها ما يشتهيه المنعم عليه وعن هذا قيل :
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ
[ الواقعة : 21 ] وذكر في الفاكهة الاختيار وفي
لَحْمِ طَيْرٍ
[ الواقعة : 21 ] الاشتهاء إذ الفاكهة للتنعم والترفه لا لأجل الاشتهاء واللحم لاشتهاء البطن هذا بحسب الأصل وأما لحوم الجنة فمن قبيل التفكه لأنه لا جوع فيها ولا ظمأ فالكل من قبيل التفكه .
قوله تعالى :
[ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 22 ]
وَحُورٌ عِينٌ ( 22 )
قوله : ( وحور عين عطف على ولدان أو مبتدأ محذوف الخبر أي وفيها أو لهم حور ) وحور عين ولما ذكر معظم اللذات الحسية من المطاعم والمشارب ذكر المناكح من معظم اللذات الحسية حور جمع حوراء وعين جمع عيناء سميت حورا لكمال بياضها كما قال :
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ
[ الواقعة : 23 ] الآية والعين نجل العيون وعظمها .
قوله : ( وقرأ حمزة والكسائي بالجر عطفا على جنات بتقدير مضاف أي هم في جنات ومصاحبة حور ) إذ لا مساس بدونه ولا حاصل له أي هم في جنات ومصاحبة حور ظرفية مصاحبة حور مجاز ولفظة في المقدر في فوق مصاحبة حور استعارة فلا جمع بين الحقيقة والمجاز هذا مسلك حسن وقيل شبه مصاحبة الحور بالظرف على نهج الاستعارة المكنية وقرينتها التخيلية اثبات معنى الظرفية بكلمة في فهي باقية على معناها ولا جمع بين الحقيقة والمجاز كما قيل .
قوله : ( أو على أكواب لأن معنى تطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بأكواب وقرئتا بالنصب على ويؤتون حورا ) أو على أكواب أي يطوف عليهم ولدان بحور عين تتميما لأنواع التنعم من المأكول والمشارب والمناكح وإلى هذا المعنى ذهب أبو عمرو وقطرب وقيل هذا من قبيل علفتها تبنا وماء باردا أي ينعمون بأكواب وكلام المص يميل إليه حيث قال لأن معنى يطوف إلى قوله ينعمون بأكواب ومثل هذا لا يسمى مجازا ولا كناية بل تقدير عامل يناسب المعطوف وقيل يطوف بمعنى ينعمون مجازا أو كناية وهذا كما ترى .
قوله : أي هم في جنات ومصاحبة حور أقول هذا التأويل وهو تقدير المضاف إنما يحتاج إليه إذا كان ما دخل عليه في مفردا أما إذا كان جمعا فلا حاجة إلى تقدير مضاف والحور جمع ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال فلان في رجل ويجوز فلان في رجال قال الزجاج الرفع أحسن القراءتين لأن المعنى
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
[ الواقعة : 17 ] بهذه الأشياء ولهم حور عين ومن قرأ بالرفع كره الخفض لأنه عطف على قوله :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ
بِأَكْوابٍ
[ الواقعة : 17 ، 18 ] فقال الحور العين ليس مما يطاف به ولكنه مخفوض على المعنى لأن المعنى يعطون هذه الأشياء ويعطون حورا إلا أن هذه القراءة تخالف المصحف الذي هو الإمام وأهل العلم يكرهون القراءة بما يخالف الإمام .