اليمين ثلة من الأوليين وثلة من الآخرين فإنه يدل على كثرة الآخرين فلا يوصف بالقلة وإلا يلزم المنافاة لأن كثرة الفريقين في أنفسهما لا ينافي أكثرية أحدهما بالنسبة إلى الآخر وبالنظر إلى ذلك يكون قليلا إذ القلة والكثرة قد تعتبران بالنسبة إلى ما في نفس الأمر وقد يعتبران بالإضافة إلى الغير فيكون الأمر الواحد قليلا وكثيرا بالاعتبارين فلا محذور فيه بتوهم اجتماع المتقابلين فإن بطلانه إذا كان من جهة واحدة دون الجهتين .
قوله : ( وروي مرفوعا أنهما من هذه الأمة ) فلا حاجة إلى التوفيق المذكور فالأولون الصحابة والآخرون التابعون ومن تبعهم لكن كون الصحابة أو صدر هذه الأمة أكثر وكون التابعين أقل محل نظر إلا أن يقال إنهما باعتبار الكيفية لا الكمية أو يقال مثل ما مر من أن خواص الصحابة أكثر من خواص من عداهم وعوام التابعين أكثر من عوام الصحابة .
قوله : ( واشتقاقها من الثل وهو القطع ) وسمي به جماعة لانقطاعهم عن غيرهم والكثرة والقلة مستفادة من خارج .
الكثرة وفي الكشاف فإن قلت كيف قال :
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 14 ] ثم قال :
وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 40 ] قلت هذا في السابق وذاك في أصحاب اليمين وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا ثم قال فإن قلت فقد روي أنه لما نزلت شق ذلك على المسلمين فما زال رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت ثلة من الأولين وثلة من الآخرين قلت هذا لا يصح لأمرين أحدهما إن هذه الآية واردة في السابقين ورودا ظاهرا وكذلك الثانية في أصحاب اليمين ألا ترى كيف عطف أصحاب اليمين ووعدهم على السابقون ووعدهم والثاني أن النسخ في الأخبار غير جائز إلى هنا كلامه أقول حاصل سؤاله أن الثلة هي الأمة الكثيرة فكيف قال أولا
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 10 ] فوصفهم بالقلة ثم قال :
وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 40 ] فوصفهم بالكثرة مع أن الموصوف واحد فأجاب بمنع كون الموصوف واحدا فإن ذلك في قوم وهذا في قوم ولما ورد الحديث مخالفا لهذا التأويل لاقتضائه كون الموصوف واحدا حكم بأن هذا الحديث ليس حديثا صحيحا إذ لو صح يلزم اتحاد المعطوف والمعطوف عليه ويلزم النسخ في الأخبار قال الطيبي هذا الحديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه لما نزلت
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 13 ، 14 ] شق ذلك على المسلمين فنزلت
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 13 ، 14 ] فقال أنتم ثلث أهل الجنة بل أنتم نصف أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني وورود الآية الأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين لا يرد مقتضى هذا الحديث فإنه صلوات اللّه عليه وسلامه حين أخبر الصحابة بهذه الآية حسبوا أن الخطاب مع جميع الأمة فشق ذلك عليهم فنزلت الآية الثانية ليعلم أن الأولى فيهم وفي أمثالهم من المقربين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين والثانية فيمن يلحق بهم من أصحاب اليمين واندفع بهذا أيضا لزوم النسخ في الاخبار لأن السياق ساق الشفاعة على طريق التدرج لمزيد السرور والتبجح ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن ابن مسعود قال كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم في قبة في نحو من أربعين فقال « أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة » قلنا نعم يا رسول اللّه قال « أترضون أن تكون ثلث أهل الجنة » قلنا نعم قال « والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة » الحديث .